القائمة الرئيسية

الصفحات

جيفرى إبستين وترامب وإيران كونترا قصة النفوذ والجريمة فوق القانون



كتب/ أيمن بحر 


عندما التقى جيفرى إبستين بدونالد ترامب لم يكن الأخير قد دخل عالم السياسة ولم يكن رئيسا للولايات المتحدة نحن أمام منتصف إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضى وهى المرحلة التي كان فيها إبستين في ذروة تسلقه الاجتماعى وبناء شبكة علاقاته المعقدة والنفوذ فى أوساط المال والسياسة

في الخلفية كانت واحدة من أخطر الفضائح السياسية في التاريخ الأمريكى تتشكل في الظل فضيحة إيران كونترا أو إيران جيت

خلال الحرب العراقية الإيرانية أظهر الجيش العراقى شراسة غير مسبوقة ومع تصاعد الضربات العراقية وجدت طهران نفسها على حافة الانهيار ولم تكن قادرة على الصمود طويلًا ولو سقطت الجبهة الإيرانية لم يكن صدام حسين ليكتفى بانتصار محدود بل كان الطريق إلى طهران سيصبح مفتوحا دون قوة قادرة على ردعه

هنا لجأت إيران إلى طلب سلاح يعيد التوازن من حليف غير متوقع حليف يرى فى تفكيك الجيش العراقي مصلحة استراتيجية عليا ذلك الحليف كان الولايات المتحدة الأمريكية

إيران احتاجت سلاحا يمنحها الردع ويجنب الجندي الإيرانى المواجهة المباشرة مع العراقى لأن المواجهة كانت محسومة سلفا وليس فى صالح طهران

عبر عدنان خاشقجى وبمشاركة مباشرة من جيفرى إبستين وافقت واشنطن على المساهمة فى تأسيس القدرة الصاروخية الإيرانية وهو ما شكل المفاجأة الكبرى فى تاريخ الصراع نعم الولايات المتحدة هي من منحت إيران تفوقها الصاروخي الأول

الصفقة تضمنت آلاف الصواريخ المضادة للدبابات والصواريخ بعيدة المدى وصواريخ أرض جو إضافة إلى آلاف القذائف الخارقة للدروع مقابل ما يقرب من مليارى دولار وشحنات نفطية والإفراج عن خمسة جواسيس أمريكيين

العملية تمت بهندسة كاملة من الموساد وبحضور شخصيات استخباراتية رفيعة المستوى من بينها آرى بن ميناشيه ونائب الرئيس الأمريكى آنذاك جورج بوش الأب وممثل إيرانى بارز هو أبو الحسن بنى صدر رغم أنه كان علنا من أشد المعارضين للحرب على العراق

تحويل الأموال جرى عبر ضابط سافاك فاسد يدعى منوتشهر قرباني فر والصفقة موثقة داخل أرشيف مكتب التحقيقات الفيدرالى

خلال هذه المرحلة تضخمت ثروات جيفرى إبستين بشكل لافت وبدأ فى الإنفاق بسخاء على حفلات يحضرها مسؤولون كبار وعمد ورؤساء شرطة وسياسيون نافذون فكان يشترى النفوذ خطوة بعد خطوة

فى تلك الأجواء تعرف إبستين على دونالد ترامب في كازينوهات وحانات الأخير وتشير الوثائق إلى أن ترامب لم يكن على علم بجرائم إبستين فى تلك الفترة إذ تحولت العلاقة لاحقا إلى عداء واضح

تطورت الصداقة مؤقتا ووضع إبستين طائرته الخاصة لوليتا إكسبريس تحت تصرف ترامب وسافر عليها فى عدة رحلات عمل بين عامى 1992 و1997

في الفترة نفسها توطدت علاقات إبستين بالملياردير ليز ويكسنر مالك فيكتوريا سيكريت وبالأمير أندرو وتكشف الوثائق أن الأخير كان على علم بما يجرى داخل شبكة إبستين وشارك فيها

عبر فيكتوريا سيكريت حصل إبستين على تفويض كامل لإدارة الأصول وبمساعدة جيسلين ماكسويل بدأ استدراج القاصرات بدعوى تصوير الإعلانات ثم تحولت العملية إلى مراقبة سرية وابتزاز ممنهج فيما عرف داخل ملفات التحقيق بفخ العسل

من بين الضحايا ماريا فارمر التى أبلغت مكتب التحقيقات الفيدرالي مرتين عام 1996 لكن بلاغها جرى تجاهله وكان إبستين آنذاك فوق القانون

في تلك السنوات كثف إبستين رحلاته إلى تل أبيب وتعززت مكانته داخل دوائر استخباراتية وسياسية مغلقة

القطيعة النهائية مع ترامب جاءت خلال مزاد قصر فى بالم بيتش حيث دخل إبستين للمزايدة ضده ما تسبب فى خسائر كبيرة لترامب وانتهت العلاقة تماما

لاحقا باع ترامب القصر لملياردير روسي مثير للجدل مقابل ضعف ثمنه في صفقة لاحقتها شبهات غسيل أموال

رغم ذلك واصل إبستين صعوده وفي عام 1998 اشترى جزيرته الأولى عبر شركة صورية وحولها إلى مساحة مغلقة خارج القانون

عند هذه النقطة لم يعد مجرد منحرف جنسي بل تحولا استراتيجيا حيث بدأت أجهزة استخبارات تنظر إليه كأصل قابل للاستثمار فغير صورته العامة إلى راع للعلم وممول للأبحاث فى مجالات الفيزياء والذكاء الاصطناعي والبيولوجيا وهى علوم ذات تطبيقات عسكرية مباشرة

الجزيرة لم تعد فقط مكانا للجريمة بل منصة للتسجيل والتوثيق والابتزاز وربط النخب بخيوط لا ترى

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا لم يحاسب جيفرى إبستين بل لماذا ترك حرا كل هذا الوقت

الإجابة الأقسى أنه لم يكن خارج النظام بل جزءا منه

وحين انتهى دوره وأصبح عبئا تم التخلص منه

قيل إنه انتحر لكن العالم كله يعرف أن بعض الرجال لا يسمح لهم بالانتحار

ويبقى السؤال مفتوحا من كان يخشى إبستين حيا وكم اسما كبيرا ما زال ينتظر الخروج من الظل

تعليقات