القائمة الرئيسية

الصفحات

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب:لماذا تمثل القوة العسكرية المصرية كابوسًا استراتيجيًا لنتنياهو؟

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب:لماذا تمثل القوة العسكرية المصرية كابوسًا استراتيجيًا لنتنياهو؟


لا ينظر بنيامين نتنياهو إلى مصر باعتبارها مجرد دولة مجاورة أو طرف إقليمي، بل يتعامل معها كـ ثابت استراتيجي لا يمكن القفز فوقه في معادلة الأمن الإقليمي. فالقوة العسكرية المصرية تمثل الكابوس الحقيقي لأي تفكير إسرائيلي متهور، ليس بسبب السلاح وحده، بل بسبب العقل الذي يدير القوة، والعقيدة التي تحكم استخدامها.

الجيش المصري ليس جيش استعراض أو دعاية، بل مؤسسة قتالية ذات خبرة تراكمية تمتد لعقود من الصراع المباشر وغير المباشر. وهو جيش بُني على مفهوم الردع لا العدوان، وعلى حماية الدولة لا خدمة الأجندات، وهو ما يجعل قراراته غير قابلة للتوقع الإسرائيلي، وتلك هي المعضلة الأخطر في حسابات تل أبيب.

نتنياهو يدرك جيدًا أن مصر تمتلك واحدة من أكثر منظومات التسليح تنوعًا وتوازنًا في المنطقة، برية وجوية وبحرية، مدعومة ببنية لوجستية وقواعد عسكرية حديثة وانتشار استراتيجي يضمن سرعة التحرك وحسم المواقف. لكن الأخطر من السلاح هو القدرة على ضبط النفس، فمصر لا تنجر للاستفزاز، لكنها حين تقرر التحرك تفعل ذلك وفق حسابات دقيقة تُربك الخصم وتشل خياراته.

كما أن العقيدة العسكرية المصرية تقوم على مبدأ حماية الأمن القومي الشامل، وهو ما يتجاوز الحدود التقليدية ليشمل عمق الدولة واستقرار الإقليم. هذا الفهم يجعل أي مغامرة إسرائيلية تصطدم بجدار صلب من الردع، لأن مصر لا تقبل فرض الأمر الواقع، ولا تسمح بتهديد توازن القوى الذي يحفظ الاستقرار.

قلق نتنياهو يتضاعف حين يرى أن مصر تجمع بين القوة العسكرية الصلبة والدور السياسي العقلاني. فهي قادرة على التأثير في مسارات الصراع دون ضجيج، وعلى إدارة الملفات الإقليمية بحنكة تُفقد إسرائيل قدرتها على الابتزاز أو المناورة المنفردة. مصر هنا لا تلوّح بالقوة، لكنها تجعل وجودها كافيًا لفرض الحسابات.

ليست القوة العسكرية المصرية مصدر قلق لنتنياهو لأنها تهدد بالحرب، بل لأنها تمنعها، وتغلق أبواب المغامرة قبل أن تُفتح. فهي قوة ردع واعية تعيد ضبط البوصلة وتفرض الحسابات، وتُجبر الخصم على التفكير ألف مرة قبل أي تصعيد. وبينما يراهن نتنياهو على التهوّر والهروب للأمام لتصدير أزماته الداخلية، تظل مصر ثابتة، متماسكة، تعرف متى تصمت ومتى تتحرك، وتدرك أن القوة الحقيقية لا تُستعرض بل تُستخدم بحكمة. ولهذا ستبقى مصر الرقم الأصعب في معادلة الإقليم، والدولة التي يخشاها من يفهم معنى الردع… ومعنى الدولة.

تعليقات