الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
لم يعد الحديث عن إثبات نسب مجرد متابعة لمسلسل اجتماعي مشوّق، بل صار حالة نفسية يعيشها الجمهور يوميًا، انتظار مشحون بالقلق، وأسئلة تتكاثر أكثر مما تتكشف الإجابات. بعد أحداث الحلقة الثامنة الثقيلة التي ضيّقت الخناق على نوال من كل اتجاه، جاءت الحلقة التاسعة لتثبت أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن ما ظنّه المشاهد قسوة كان مجرد تمهيد لعاصفة أكبر.
في هذا العمل، لا تتحرك البطلة في خط مستقيم نحو الحقيقة، بل تسير داخل متاهة تُغلق أبوابها واحدًا تلو الآخر. ومع كل خطوة للأمام، تخسر شيئًا من طمأنينتها. وهنا تحديدًا يتجلّى ذكاء البناء الدرامي؛ فالقضية ليست “أين الطفل؟” فقط، بل “كم يمكن لإنسانة أن تتحمل قبل أن تنكسر؟”.
الحلقة الثامنة وضعت نوال في مواجهة مباشرة مع جذورها نفسها. المواجهة مع الأب لم تكن مشهد عتاب عائلي عابر، بل كانت لحظة وجودية مؤلمة؛ أب يعترف ضمنيًا بأنه أعلن وفاة ابنته وهي على قيد الحياة، بذريعة حمايتها. أي مفارقة أكثر قسوة من أن يُمحى اسمك من الحياة وأنت تتنفس؟ أن تصبح رسميًا “ميتة” بينما قلبك لا يزال ينبض؟
هذا القرار الأبوي لم يكن حماية بقدر ما كان مصادرة لحقها في الوجود. المسلسل هنا يطرح سؤالًا فلسفيًا ذكيًا: هل يمكن أن يتحول الحب إلى جريمة حين يُمارس بالنيابة عن إرادة صاحبه؟ الأب ظن أنه ينقذها، لكنه في الحقيقة سرق هويتها بالكامل. وكأن نوال لا تبحث فقط عن ابنها، بل عن نفسها أيضًا.
وسط هذا الخراب، يظهر الجار الطبيب النفسي كصوت عقلاني يحاول جمع شظاياها، لا كمنقذ تقليدي، بل كشاهد على الانهيار البطيء. العلاقة بينهما ليست رومانسية أو ميلودرامية، بل إنسانية بحتة؛ شخص يحاول أن يمنع أخرى من السقوط في الجنون. وهذا التفصيل منح الأحداث واقعية شديدة، لأن الألم هنا لا يُعالَج بكلمة طيبة، بل بصبر طويل.
لكن الحلقة التاسعة كانت النقلة النوعية الحقيقية. الأداء الذي قدمته خرج من إطار “التمثيل” إلى منطقة أقرب للمعايشة. لم تعتمد على البكاء الصريح أو الانفعالات العالية، بل على الانكسار الداخلي؛ نظرات زائغة، صوت مكسور، خطوات مترددة. امرأة تبدو واقفة لكنها من الداخل تنهار قطعة قطعة.
في هذه الحلقة، لم تعد نوال مجرد أم تبحث عن طفلها، بل أصبحت محققة تقاوم شبكة كاملة من التواطؤ. كل شخص حولها يحمل سرًا، وكل باب تخبط عليه يخفي نصف حقيقة. عمرو يتحرك في الظل ليطمس الأدلة، أطراف مجهولة تعبث بالخيوط، والماضي يطاردها في كل زاوية. الإحساس العام أن هناك “منظومة” كاملة قررت محوها من المشهد، وكأن وجودها نفسه خطر يجب التخلص منه.
العمق الحقيقي هنا أن الصراع لم يعد خارجيًا فقط، بل داخلي أيضًا. نوال بدأت تشك في ذاكرتها، في قراراتها، في قدرتها على الاستمرار. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان؛ أن يفقد ثقته في نفسه. المسلسل بذكاء يصوّر كيف يمكن للضغط النفسي أن يكون أشرس من أي عدو.
لذلك لم يكن غريبًا أن تتصدر الحلقة التاسعة النقاشات على السوشيال ميديا. الجمهور لم يتفاعل مع “حدث” معين، بل مع حالة كاملة. كثيرون رأوا في نوال صورة لكل إنسانة حاربت وحدها، لكل أم شعرت أن العالم ضدها، لكل شخص اضطر أن يواجه الحقيقة دون سند. وهنا يتحول الفن من حكاية إلى مرآة.
ومع اقتراب الحلقة العاشرة، تبدو الاحتمالات أكثر ظلامًا من أي وقت مضى. هل تنجح نوال أخيرًا في الوصول إلى خيط يقودها لابنها؟ أم أن الصدمة ستكون أكبر بكثير، وربما تكتشف أن الخيانة أقرب مما تتخيل؟ هل يتمكن عمرو من دفن الحقيقة للأبد؟ أم أن لحظة انكشاف واحدة قد تُسقط كل خططه؟
التوقعات مفتوحة على كل شيء: مواجهة قانونية، فضيحة كبرى، أو حتى تضحية موجعة تدفعها البطلة ثمنًا للحقيقة. لكن المؤكد أن الحلقة العاشرة لن تكون هادئة، لأن العمل أوصل كل الشخصيات إلى “الحد الأقصى” من الضغط، وبعد هذه المرحلة لا يحدث إلا الإنفجار؟
في النهاية، ليس مجرد دراما عن أم تبحث عن طفلها، بل عن امرأة تحاول إثبات حقها في الحياة نفسها. ودرة لم تقدّم دورًا ناجحًا فقط، بل قدّمت درسًا في كيف يمكن للأداء الصادق أن يحمل مسلسلًا كاملًا على كتفيه. الجمهور الآن لا ينتظر حلقة جديدة بدافع التسلية… بل بدافع القلق الحقيقي، لأن قصة نوال لم تعد على الشاشة فقط، بل سكنت القلوب.

تعليقات
إرسال تعليق