تقرير/أيمن بحر
ما كشف عن جزيرة إبستين لا يمكن اختزاله فى جرائم جنسية معزولة أو انحرافات فردية فالقضية أعمق وأخطر لأنها تمس بنية السلطة ذاتها حيث يتحول الجسد إلى وسيلة والفضيحة إلى سلاح والسر إلى قيد يُمسك به صناع القرار
الجزيرة لم تُختَر عبثا فالمواقع المعزولة كانت دائما المسرح المفضل للجرائم التي تحتاج إلى صمت طويل وذاكرة قصيرة ففى الأماكن البعيدة عن الرقابة يسهل إسقاط الضحايا ويصعب تتبع الجناة وتصبح الجريمة قابلة للإدارة لا للمحاسبة
شبكة إبستين لم تكن شبكة متعة بل شبكة سيطرة حيث يتم استدراج شخصيات نافذة من السياسة والمال والإعلام ثم إدخالهم فى دائرة لا خروج منها دائرة السر المشترك كل من دخلها صار أسيرا لما يعرف وما فُعل به أو ما شارك فيه
هنا تتحول الجريمة من فعل شاذ إلى نظام ابتزاز منظم يتم فيه توثيق كل شيء لا لاستخدامه الآن بل لحظة الحاجة فالفضائح لا تُستعمل فور وقوعها بل تُخزن مثل السلاح حتى تأتى لحظة الضغط السياسي أو الاقتصادي
الصمت الذي لف أسماء كبرى لم يكن صدفة بل نتيجة معادلة واضحة من يتكلم يسقط وحده ومن يصمت يبقى داخل اللعبة ولذلك رأينا كيف اختفت التحقيقات وكيف ماتت الأسئلة قبل أن تصل إلى قاعات الحكم
الأخطر أن هذه الشبكات لا تعمل خارج النظام بل داخله فهى تتغذى على ضعف الرقابة وتواطؤ المصالح وحماية النفوذ ولهذا لم يكن سقوط إبستين نهاية القصة بل محاولة لإغلاق نافذة انفتحت على عالم لا يريدون له أن يُرى
جزيرة إبستين كشفت أن بعض مراكز القوة لا تحكم بالقانون بل بالملفات وأن العدالة حين تقترب كثيرا من الحقيقة يتم تعطيلها أو إعادة توجيهها أو دفنها تحت ركام الأخبار
ما جرى هناك ليس استثناء بل نموذج مصغر لكيف تدار السلطة فى الظل حيث لا تُرسم السياسات فقط فى الغرف الرسمية بل أيضا فى الأماكن المعزولة التي لا يصلها الضوء
لهذا فإن السؤال الحقيقى ليس ماذا حدث فى الجزيرة بل كم جزيرة أخرى لم نسمع عنها بعد وكم قرارا سياسيا صُنِع تحت تهديد ملف مغلق وكم ضحية دُفنت مرتين مرة فى المكان ومرة فى الصمت

تعليقات
إرسال تعليق