علاء حمدي
قدمت الدكتورة شيرين العدوي : مدرس التاريخ بكلية الإعلام جامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب . ورقتها البحثية التي قدمتها في (المؤسسة الإفريقية للتطوير وبناء القدرات مؤسسة ا.د جمال شيحة للتعليم ) وجاءت بعنوان : "الصورة الذهنية للمرأة في المرويات التاريخية تمثلات المرأة في كتاب الأغاني نموذجا: الأنساق الثقافية وآليات الإقصاء" .
واشتملت علي مقدمة وأسئلة الدراسة وفروضها وكذلك كانت ذات شقين شق نظري وشق تطبيقي على المرويات :
مقدمة : يعد كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني من أهم المصنفات التي شكلت ذاكرة سردية للحضارة العربية الإسلامية، بما يحويه من أخبار الشعراء والمغنين والجواري والملوك ، وبما يعكسه من تفاصيل الحياة الاجتماعية والثقافية في العصور من الجاهلي إلى العصر العباسي . غير أن هذا الحضور الكثيف للنساء في ثنايا الكتاب لا يعني بالضرورة حضور لذات أنثوية مستقلة، بقدر ما يحيل إلى تمثلات مخصوصة للمرأة تضطلع فيها الأنساق الثقافية والذائقة الذكورية بدور حاسم في إنتاج الصورة وتوجهيها . وقد سعت قراءات حديثة ، إلى مساءلة هذه التساؤلات، وطرح أسئلة حول دلالاتها المعرفية والحضارية وحدودها الإقصائية . تنطلق هذه الدراسة من فرضية أن صورة المرأة في كتاب الأغاني ليست معطى برئيا أو وثيقة شفافة عن "واقع النساء" بل هي بناء سردي وأيديولوجي يتشكل عند تقاطع زمن التلقي الذكوري مع الجسد الأنثوي بوصفه علامة مع أنساق ثقافية موروثة ومتجددة، ومع آليات أنثروبولوجية للضم والإقصاء تقرر موقع المرأة داخل النص وخارجه، ومن ثم تهدف الدراسة إلى تحليل تمثلات المرأة في الكتاب بالاستناد إلى ما راكمته القراءات النقدية الحديثة، وفي مقدمتها الحياة الاجتماعية في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني مع توظيف مقاربات سردية وأنثروبولوجية وجندريةتكشف الخلفيات العميقة لهذه التمثلات.
الإشكاليات والأسئلة:
تتمثل الإشكالية المركزية في السؤال الآتي:
كيف تبنى صورة المرأة في كتاب الأغاني للأصفهاني من خلال آليات سردية وثقافية ذات خلفية ذكورية، وما الأبعاد المعرفية والحضارية التي تتيحها قراءة نقدية حديثة لهذه التمثلات ؟!
ويتفرع من هذه الإشكالية جملة من الأسئلة الفرعية :
١- ما أثر(زمن التلقي ) سياقات البلاط ومجالس السمر وذائقة المتلقي الذكورية في توجيه الأخبار المتعلقة بالمرأة وانتقائها وصياغتها؟!
٢- كيف يتجلى الجسد الأنثوي بوصفه محورا لهوية المرأة النصية ، وما حدود التشيئ الذي يتعرض له هذا الجسد ضمن بنية الحكي؟!
٣- ما طبيعة الأنساق الثقافية ( الأبوية. القبلية . الطبقية) التي تتحكم في بناء صورة المرأة، وكيف يضىء استحضار أخبار الأصمعي والرواة الأوائل عمق هذه الأنساق ؟!
٤- في أي مستوى يظهر انحياز السارد وخلفيته الذكورية في اختيار الأخبار، وفي التعليق عليها، وفي تحديد موقع المرأة داخل المعادلة السردية ؟!
٥- ما الآليات الأنثروبولوجية التي يعتمدها النص لدمج المرأة في نسيج التاريخ الأدبي أو إقصائها عنه؟!
٦- ما الأبعاد المعرفية والحضارية التي تكشفها هذه التمثلات عن نظرة الثقافة العربية الوسيطة للمرأة ، وعن التوتر بين المرجع الدينى المعياري والخطاب الأدبي الاحتفائي؟!
وتنطلق الدراسة من الفرضيات الآتية :
١- تميل تمثلات المرأة في كتاب الأغاني إلى إعادة إنتاج نسق ثقافي أبوي يجعل المرأة موضوعا للمتعة والاعتبار الرمزي ، أكثر من كونها ذاتا تاريخية فاعلة، وهو ما يتبدى في أولوية الجسد على العقل في التعريف بالشخصيات النسائية .
٢- يشكل زمن التلقي ، النابع من سياق البلاط ومجالس اللهو ذائقة النخبة الذكورية، محددا مركزيا في تشكيل صورة المرأة ، من حيث اختيار الأخبار وتوجيهها نحو الطرافة، والفرجة على حساب توثيق أدوارها المعرفية والاجتماعية الأوسع .
٣- لا يقتصر الأصفهاني على وظيفة الناقل المحايد ، بل يمارس من خلال السرد والتعليق انتقاء وتأويلا يعكس خلفية ذكورية واضحة، تكرس تمثلات بعينها للمرأة وإن سمحت لها أحيانا بهامش محدود من الفاعلية .
٤- ترث الأخبار التي يجمعها الأصفهاني أنساقا ثقافية أقدم صاغها رواة من الأصمعي والطبري وغيرهم حيث تستخدم المرأة معيارا لاختبار فحولة الرجل، أو مروءته، أو كرمه ، لا بوصفها موضوعا لتحليل أنثروبولوجي لذاتها.
٥- يتيح كتاب الأغاني رغم طابعه الإقصائي في كثير من المواضع، أرشيفا ثريا يمكن قراءته بمنظور نقدي معاصر أن يستخلص من ما طمس من أصوات النساء وخبراتهن، وأن تفكك الأنساق المنتجة لصورة المرأة في المخيال العربي الوسيط .
وانتهت النتائج إلي :
إننا من خلال أدوات السيميائية والتحليل اللساني ، كشفنا عن البنية المعمقة للأخبار في كتاب الأغاني ؛ حيث لم تكن المرأة مجرد موضوع للوصف، بل كانت تملك فاعلية أنثوية خلاقة ، فمن الإجارة السيادية في الجاهلية إلى السيادة المعرفية في صالون سكينة بنت الحسين ، وصولا إلى تحولها إلى أيقونة حضارية في العصر العباسي، نجد أن المرأة كانت تستثمر رأس مالها الثقافي لتنتقل من الهامش إلى قلب المركز . إن ما يسمى بتاريخ الهامش في الأغاني هو في الحقيقى المدونة السردية الأصدق التي تعكس السلطة الرمزية للمرأة ، لقد أثبتنا أن صمت دنانير كان فعلا كلاميا أخرس السبف، وأن عصابة علية كانت علامة سيميائية أعادت صياغة مفهوم الجمال . لقد أعادت الدراسة قراءة المسكوت عنه في التاريخ وأن التاريخ لا يكتمل إلا بحضور المرأة كذات رائية وناقدة ، وصانعة للحضارة .

تعليقات
إرسال تعليق