بقلم راندا ابو النجا
نحب أن نُصدّق أننا أحرار. نُردّد الكلمة بثقة، نرفعها شعارًا، ونتغنّى بها في الخطب والكتابات، لكن حين نقترب من جوهرها، نكتشف حقيقة مربكة: كم قرارًا اتخذناه لأننا أردناه فعلًا، لا لأننا خِفنا من العكس؟
الخوف هو الحاكم الخفي في حياة البشر. لا يظهر بزيّ الطغاة، ولا يتكلم بصوتٍ عالٍ، لكنه يتسلل بهدوء إلى اختياراتنا، يهمس في آذاننا: انتبه لا تخسر لا تُغضب… لا تختلف… لا تخرج عن السرب. فنُسمّي التراجع حكمة، والصمت تعقّلًا، والخضوع “واقعية”.
الحرية ذلك الوهم المُهذّب
نحن لا نُسجن غالبًا بالسلاسل، بل بالأفكار التي زُرعت فينا منذ الطفولة: الخوف من الرفض، من الفشل، من الوحدة، من نظرة المجتمع، من كسر الصورة التي رسمها الآخرون لنا. نختار وظائف لا نحبها لأن الخوف من الفقر أعلى من شغف الروح. نبقى في علاقات مؤذية لأن الخوف من الفراغ أقسى من الألم. نصمت عن الظلم لأن الخوف من العواقب أعلى من صوت الحق. فأي حرية تلك التي تُمارَس داخل قفص؟
الخوف من غريزة بقاء إلى أداة إدارة
الخوف ليس دائمًا غريزة تحفظ الحياة، أحيانًا يُعاد تشكيله ليصبح وسيلة ضبط. يُغذّى ويُقدَّم على أنه حرص، ويُمرَّر باعتباره عقلًا، حتى يتحول الإنسان إلى كائن مطيع، يحسب خطواته ألف مرة، ويخشى التفكير خارج المسموح.
حين يخاف المواطن من الكلام، والمرأة من الاختيار، والطفل من السؤال، فنحن لا نعيش حرية، بل نظامًا ناعمًا لإدارة البشر بالخوف.
متى نكون أحرارًا حقًا؟
الحرية لا تعني غياب الخوف، بل القدرة على مواجهته دون أن نسمح له بقيادة حياتنا. أن تقول “لا” وأنت تعلم الثمن. أن تختار نفسك دون تبرير دائم. أن تُراجع الموروث دون شعور بالذنب. أن تعترف بأن بعض القيود تسكن داخلك لا خارجك.
الإنسان الحر ليس متهورًا، لكنه واعٍ. يعرف متى يخاف، ولماذا، ولا يسمح للخوف أن يكتب عنه سيرته.
الخوف لا يولد معنا، نحن من نُربّيه في داخلنا، نطعمه الصمت، ونمنحه مفاتيح القرار، ثم نتساءل بدهشة: لماذا ضاقت الحياة؟
أخطر أشكال العبودية ليست تلك التي تُفرض بالقوة، بل التي نقبلها طوعًا، حين نؤجل حقيقتنا، ونقايض أرواحنا بالأمان، ونقنع أنفسنا أن النجاة في الانحناء لا في الوقوف.
الخوف لا يحتاج إلى سلاسل، يكفيه أن يجعلك تشك في حقك، تخجل من صوتك، وتطلب الإذن لتكون نفسك.
والحرية ليست شعارًا يُرفع، ولا مساحة وهمية نتحرك فيها كما يُسمح لنا فقط، بل قرار داخلي مؤلم، لحظة صدق قاسية مع النفس، حين نسألها بوضوح: هل نعيش كما نريد… أم كما نُدار؟
في تلك اللحظة الفاصلة، حين نختار الوعي بدل الطمأنينة الكاذبة، والشجاعة بدل السلامة المؤقتة، نبدأ أول خطوة حقيقية نحو أنفسنا.
«الخوف لا يمنعنا من الحياة… لكنه يعلّمنا كيف نعيش بنصف روح. والحرية تبدأ حين نختار أن نخسر الطمأنينة الزائفة، لنربح أنفسنا كاملة

تعليقات
إرسال تعليق