القائمة الرئيسية

الصفحات

محمد القس في قلب العاصفة… «حي الجرادية» ظاهرة درامية سعودية تتصدر العالم وتؤكد أن الشعبية حين تنضج تصبح لغة كونية



الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر 


لم يكن تصدّر «حي الجرادية» للتريند العالمي مجرد لحظة احتفاء عابرة تتناقلها المنصات لساعات ثم تنساها، بل كان أشبه بإعلان صريح عن ميلاد مرحلة جديدة في الدراما الشعبية السعودية، مرحلة تقوم على النضج الفكري، والجرأة في الطرح، والوعي العميق بطبيعة الجمهور المعاصر الذي لم يعد يكتفي بالحبكة التقليدية أو الصراع السطحي، بل يبحث عن عمل يرى فيه ذاته، يسمع صوته، ويشعر أن تفاصيله اليومية بكل ما تحمله من تناقضات وانكسارات وطموحات قد تحولت إلى مادة فنية راقية. هذا العمل لم يكتفِ بسرد قصة حيّ شعبي، بل قدّم قراءة اجتماعية متأنية لتحولات مجتمع يعيش بين ضغط الحداثة وجذور الموروث، بين الحلم الفردي ومسؤولية الجماعة، بين الرغبة في التغيير والخوف من كلفة هذا التغيير. لذلك بدا النجاح العالمي طبيعيًا، لأن الإنسانية في جوهرها واحدة، ولأن المشاعر حين تُقدَّم بصدق لا تحتاج إلى ترجمة، بل تصل مباشرة إلى القلب، وهذا تحديدًا ما فعله «حي الجرادية» حين اختار أن يكون صادقًا قبل أن يكون صاخبًا، عميقًا قبل أن يكون سريعًا، ومتفردًا قبل أن يكون مكررًا.


في قلب هذا البناء الدرامي المتماسك، يبرز اسم محمد القس بوصفه أحد أهم أعمدة العمل وأكثرهم تأثيرًا في مساره الفني والجماهيري، فالقس لم يتعامل مع دوره كمساحة لإثبات الحضور فحسب، بل كمسؤولية فنية تتطلب الغوص في أعماق الشخصية وفهم دوافعها النفسية والاجتماعية، فبنى أداءه على طبقات متدرجة من الإحساس، تبدأ من نظرة عابرة وتنتهي بانفجار عاطفي محسوب بدقة. لم يعتمد على الصوت المرتفع أو الإيماءة المبالغ فيها، بل راهن على الصمت الذكي، وعلى تلك اللحظات التي يتحدث فيها الوجه قبل الكلمات، فصنع حالة من الارتباط العاطفي بينه وبين الجمهور جعلت اسمه يتصدر الحديث بالتوازي مع تصدر المسلسل نفسه. القس هنا لا يقدم شخصية نمطية، بل يقدم إنسانًا كامل التناقضات، يخطئ ويصيب، يضعف ويقاوم، يحلم ويتعثر، وهو ما منح الأداء صدقه وقوته، وجعل المشاهد يشعر أنه أمام تجربة إنسانية حقيقية لا مجرد تمثيل على شاشة.


إلى جواره، يقف القدير إبراهيم الحساوي كقيمة فنية راسخة تضيف إلى أي عمل تشارك فيه عمقًا وثقلًا لا يمكن تجاهله، فخبرته الطويلة في الدراما انعكست في قدرته على ضبط إيقاع الشخصية دون إفراط أو تفريط، وفي مهارته في تحويل أبسط الجمل إلى لحظة محملة بالدلالات. الحساوي يمتلك تلك القدرة النادرة على جعل الصمت مشهدًا قائمًا بذاته، وعلى توظيف النظرة كأداة درامية كاملة، وهو ما منح «حي الجرادية» بعدًا إضافيًا من المصداقية والاتزان. وجوده لم يكن مجرد دعم اسمي، بل كان دعامة حقيقية للبناء الدرامي، يربط بين الأجيال، ويؤكد أن الخبرة حين تقترن بالشغف تظل متجددة وقادرة على الإبهار. لقد كان حضوره أشبه بجذر عميق يغذي الشجرة كلها، يمنحها الثبات ويعزز قدرتها على مواجهة العواصف، وهو ما انعكس في قوة المشاهد التي جمعته ببقية الأبطال، حيث بدا التفاعل بينهم طبيعيًا ومشحونًا بالحياة.


أما الحضور النسائي في العمل، فقد جاء قويًا ومتعدد الأبعاد، حيث قدمت عهود السامر أداءً متزنًا يعكس فهمًا دقيقًا لطبيعة الشخصية ولحساسيتها داخل السياق الاجتماعي، فبدت حاضرة بقوة دون صخب، ومؤثرة دون مبالغة، بينما أضافت نيرمين محسن طاقة مختلفة قائمة على الحيوية والتلقائية، فكانت جزءًا أساسيًا من ديناميكية العمل وإيقاعه. لم تُقدَّم الشخصيات النسائية هنا كظلال للرجال أو كعناصر تكميلية، بل كقوى فاعلة في مسار الأحداث، تمتلك رؤيتها وقراراتها وصراعاتها الخاصة، وهو ما منح المسلسل عمقًا اجتماعيًا حقيقيًا، وجعل صورة المرأة داخله أكثر واقعية وتعقيدًا. هذا التوازن بين الأدوار النسائية والرجالية أسهم في خلق لوحة درامية متكاملة، تعكس طبيعة المجتمع بتنوعه واختلاف طبقاته وتوجهاته.


ومن الجيل الشاب، برزت مجموعة من الأسماء التي أثبتت أن المستقبل يحمل طاقات قادرة على الاستمرار والتطور، من بينهم زيد السويداء الذي قدم أداءً واعدًا يعكس قدرة على فهم التحولات النفسية للشخصية، وروان الطويرقي التي استطاعت أن توظف هدوءها كأداة تأثير فعالة، وعبدالعزيز السكيرين الذي جمع بين العفوية والانضباط، وكذلك بدور العتيبي التي أضافت ملمحًا إنسانيًا صادقًا يعكس عمق البيئة الشعبية، إلى جانب بدر اللحيد وسارا الجابر ومروه علي الذين شكّلوا جميعًا نسيجًا متكاملًا يعزز فكرة العمل الجماعي. كل منهم كان خيطًا في سجادة درامية واسعة، تتداخل ألوانها لتصنع صورة واحدة متماسكة، تؤكد أن النجاح الحقيقي لا يقوم على بطولة فردية، بل على انسجام جماعي يرفع الجميع معًا.


إخراجيًا، نجح منير الزعبي في تحويل النص إلى تجربة بصرية متكاملة، اعتمد فيها على تفاصيل المكان كعنصر درامي فاعل، فجعل من الحي بطلًا موازيًا، له صوته ونبضه وذاكرته، واستخدم الإيقاع المتدرج ليمنح كل لحظة حقها من التأمل، دون الوقوع في فخ البطء أو التكرار. اختياراته للقطات القريبة كشفت عن الانفعالات الداخلية للشخصيات، بينما حافظت المشاهد الواسعة على الإحساس بالبيئة الشعبية بكل ما تحمله من ازدحام وحيوية. هذا التوازن البصري أسهم في خلق هوية واضحة للمسلسل، هوية لا تشبه غيرها، وتعتمد على الصدق أكثر مما تعتمد على الإبهار المفتعل.


إن تصدر «حي الجرادية» عالميًا ليس مجرد إنجاز رقمي يُحتفى به في الأخبار، بل هو شهادة على أن الدراما السعودية قادرة على المنافسة حين تتسلح بالفكرة القوية والتنفيذ المحترف والأداء الصادق. العمل أثبت أن المحلية ليست عائقًا أمام العالمية، بل هي طريقها الأقصر، وأن الحكاية الشعبية حين تُروى بوعي واحترام لعقل المشاهد، تتحول إلى تجربة إنسانية جامعة. في النهاية، يبقى «حي الجرادية» علامة فارقة في مسار الدراما السعودية، ويبقى أبطاله جميعًا، بقيادة محمد القس وبدعم كوكبة النجوم، نموذجًا لما يمكن أن يحققه الفن حين يتكامل فيه النص مع الأداء مع الإخراج، ليصنعوا معًا عملًا لا يُنسى، يظل حاضرًا في الذاكرة، ويؤكد أن الفن الحقيقي لا يعرف حدودًا ولا يتوقف عند جغرافيا معينة، بل يمتد حيثما وُجد إنسان يبحث عن قصة تشبهه.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات