القائمة الرئيسية

الصفحات


بقلم / محمـــد الدكـــروري

عباد الله إن هناك أمر أرّق كثيرا من الناس أقض مضاجع وأوقد مواجع أبكى عيون وأسهر جفون وسرق السارق لأجله، وارتشى المرتشي لطلبه، قطع أرحام وفرّق بين الإخوان، قرره الله في كتابه أيما تقرير وتكفل به وهو الغني القدير، وأقسم الله بتكفله ووعد بتحمله إنه يا عباد الله أمر الرزق، فلطالما اقتتل الناس طلبا له وكانت الخصومات منشأً له تكفل الله بأرزاق العباد لكرمه ولم يجعله عند أحد من خلقه بعدله والكتاب والسنة مليئان بتقرير ذلك إلا أن آية أوقفتني مليا قلّبت لفظها وتعجبت من سبكها إنها يا عباد الله قول الله تعالى "وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما توعدون" ويقول الإمام السعدي في تفسيره لهذه الآية "أي أن في السماء رزقكم سواء من مطر أو رزق ديني أو دنيوي" فالله قسّم أرزاقكم وصحتكم وأولادكم وكل ماهو من شأنكم.


ثم أقسم الله تعالى على ذلك فقال " فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون" فياالله ما أعظم هذا القسم وما أكثر هذه التوكيدات، قسم من الله عز وجل يعقبه توكيد ليقرر الله هذا الأمر العظيم، ونحن نستقبل شهرا مباركا كريما ملؤه الرحمة والغفران والخير، شهر تعمه الأنوار الإلهية والأجواء الروحانية، وشهر تنهمر السعادة من خلاله على الإنسان المؤمن الصائم الملتزم بتعاليم الله سبحانه وتعالى، إذن فينبغى على من عرف قيمة هذا الشهر المبارك المعطاء، وأراد أن يعيش الحالة الرمضانية المباركة ويكون نموذجا للصائم المنعم عليه بالقبول والغفران، ويكون له نصيب كبير من بركات شهر رمضان المبارك، ويكون ممن تشمله الرحمة الإلهية، ويكون ممن ينال رضى الله سبحانه وتعالى، أن يتحضر لإستقبال شهر رمضان بما يليق به، لكي يكون ذو حظ عظيم من بركاته وآثاره.


ولكي يكون موفقا في إستقباله فلا بد له من الإستعداد التام قبل حلول هذا الشهر المبارك الكريم، وكيفية الإستعداد لشهر رمضان حيث إنحرف فهم كثير من الناس لحقيقة الصيام، فراحوا يجعلونه موسما للأطعمة والأشربة والحلويات والسهرات والفضائيات، واستعدوا لذلك قبل شهر رمضان بفترة طويلة خشية من فوات بعض الأطعمة أو خشية من غلاء سعرها، فإستعد هؤلاء بشراء الأطعمة، وتحضير الأشربة، والبحث في دليل القنوات الفضائية لمعرفة ما يتابعون وما يتركون، وقد جهلوا بحق حقيقة الصيام في شهر رمضان، وسلخوا العبادة والتقوى عنه، وجعلوه لبطونهم وعيونهم، وقد إنتبه آخرون لحقيقة صيام شهر رمضان فراحوا يستعدون له من شعبان، بل بعضهم قبل ذلك، ولكن كيف نستعد لشهر رمضان؟ وما هي أفضل الأعمال لهذا الشهر الكريم ؟ وهو أنه يجب أن نستعد بالتوبة الصادقة. 


وهي واجبة في كل وقت، لكن بما أنه سيقدم على شهر عظيم مبارك فإن من الأحرى له أن يسارع بالتوبة مما بينه وبين ربه من ذنوب، ومما بينه وبين الناس من حقوق ليدخل عليه الشهر المبارك فينشغل بالطاعات والعبادات بسلامة صدر، وطمأنينة قلب، فقال الله تعالى فى سورة النور" وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" وعن الأغر بن يسار رضى الله عنه عن النبى الكريم صلى الله عليه وسلم قال " يا أيها الناس توبوا إلى الله فإنى أتوب فى اليوم مائة مرة" رواه مسلم، وقال أيضا " يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا " وأيضا نستعد لهذا الشهر بالدعاء، فقد ورد عن بعض السلف، أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه خمسة أشهر بعدها حتى يتقبل منهم، فيدعو المسلم ربه تعالى أن يبلغه شهر رمضان على خير في دينه في بدنه، ويدعوه أن يعينه على طاعته فيه. 


ويدعوه أن يتقبل منه عمله، وكما نستعد بالفرح بقرب بلوغ هذا الشهر العظيم، فإن بلوغ شهر رمضان من نعم الله العظيمة على العبد المسلم، لأن رمضان من مواسم الخير الذي تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، وهو شهر القرآن، والغزوات الفاصلة في ديننا، فقال الله تعالى فى سورة يونس " قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون" وأيضا نستعد بإبراء الذمة من الصيام الواجب، فعن أبى سلمه قال سمعت السيده عائشه رضى الله عنها تقول " كان يكون على الصوم من رمضان فما استطيع أن أقضيه إلا فى شعبان" رواه البخارى ومسلم، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله، ويؤخذ من حرصها على ذلك في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر.

تعليقات