كتب لواء دكتور/ سمير فرج
متابعه احمد القطعاني
ويبقى في التاريخ لكل دولة أيام عظيمة تحتفل بها، ويوم العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر، هو يوم تحتفل به مصر بأغلى انتصاراتها في العصر الحديث، بعد أن محت مصر، وجيشها العظيم، عار هزيمة يوم الخامس من يونيو عام 1967.
حين عبرت قواتنا المسلحة قناة السويس، أكبر مانع مائي في التاريخ الحديث، وحطمت خط بارليف، ثاني أكبر خط دفاعي في العلم العسكري، بعد خط "ماجينو"، الذي بناه الفرنسيون على الحدود مع ألمانيا لمنع "هتلر" من غزو بلادهم.
تم التخطيط لتلك العملية الكبرى خلال سنوات حرب الاستنزاف الست، فقامت القوات المسلحة ببناء حائط الصواريخ، الذي منع القوات الجوية الإسرائيلية من التدخل في عمليات العبور، وخلال نفس الفترة تم التدريب على خطة الهجوم، التي وضعها الفريق "سعد الدين الشاذلي"، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وأُطلق عليها اسم "التوجيه 41".
فرغم مرور أكثر من خمسة عقود على تحقيق هذا النصر، لا زلت أتذكر تفاصيله جيدًا، وكأنه الأمس القريب، وأنا أصغر ضباط غرفة عمليات القوات المسلحة سنًا، وأحدثهم رتبة، حيث كنت رائدًا، لم يمر أكثر من أسبوعين على تخرجي في كلية الأركان حرب.
ولما كان ترتيبي الأول بتقدير امتياز، على دفعة قوامها 153 ضابطًا من أكفأ الضباط، فقد تم توزيعي على هيئة عمليات القوات المسلحة لحرب أكتوبر، التي بدأنا التحرك منها لفتح مركز العمليات، الذي أُديرت منه الحرب المجيدة.
وعندما جاءت الساعة الثانية ظهرًا، عبرت قوات المشاة، المدعمة بالصواريخ المضادة للدبابات، من خلال اثنتي عشرة موجة بالقوارب المطاطية، بدءًا من الساعة الثانية ظهرًا، بعد توجيه ضربة جوية بعدد 220 طائرة ضد الأهداف الإسرائيلية في عمق سيناء، أعقبها تمهيد نيراني بالمدفعية.
وخلالها قامت الصاعقة البحرية بسد أنابيب النابلم، التي ثبتها العدو في نقاط خط بارليف، لتحويل مياه القناة إلى نار جهنم إذا ما حاول المصريون عبورها. بعدها اقتحمت قوات المشاة خط بارليف، وتم رفع العلم المصري على نقاطه الحصينة، ومع غروب الشمس اندفعت خمسة كباري مصرية إلى مياه القناة، ومع تمام تركيبها عند منتصف الليل، وظهور القمر، اندفعت الدبابات والمدفعية المصرية لتعبر إلى الضفة الشرقية للقناة.
وفي سابقة أولى في التاريخ العسكري، أن تنجح قوات مشاة بدون دبابات في صد احتياطيات العدو المدرعة، نجحت قوات المشاة المصرية خلال مدة العبور في صد جميع احتياطيات العدو الإسرائيلي، وأفشلت كل محاولاتهم بالهجوم المضاد على قواتنا العابرة للقناة.
ومع أول ضوء ليوم الحادي عشر من رمضان، كانت القوات المسلحة المصرية قد أقامت رأس كوبري على الضفة الشرقية للقناة، بعمق نحو خمسة عشر كيلومترًا، وبقوة مئتي ألف مقاتل مصري، واستعدت لصد الاحتياطيات المدرعة الكبرى، وخلال هذه المدة تساقطت نقاط خط بارليف الواحدة تلو الأخرى أمام الضربات المصرية.
ورغم دوران القتال في أيام شهر مبارك فضيل، إلا أن أيًا من قواتنا، جنودًا وضباطًا، لم يأبه بالإفطار إلا على شربة ماء، فقد كانت أولويتنا الوحيدة هي عودة أرض سيناء إلى الوطن الأم، وبفضل من الله لم ينجح العدو الإسرائيلي في زحزحة القوات المصرية شرق القناة ولو لمتر واحد، حتى تم وقف النار تنفيذًا لقرار الأمم المتحدة، ليَسطر الجيش المصري أعظم انتصاراته في العصر الحديث، وليكون مثالًا يُحتذى به على مر العصور في تاريخ العسكرية المصرية.
وبعد كل هذه السنوات التي مرت على انتصارنا في حرب أكتوبر 1973، ما زالت جميع مراكز الدراسات الاستراتيجية، والكليات والمعاهد العسكرية، تؤكد أن ما قدمته هذه الحرب في العلم العسكري الحديث هو، بالفعل، الركيزة الأساسية لعمليات التطوير في مجالات التسليح، والتنظيم، والتكتيكات، وأساليب القتال.
ولقد كانت العقيدة القتالية العسكرية الغربية أكبر المستفيدين من دروس تلك الحرب، فقد كان الجانب الإسرائيلي يتبنى فكر العقيدة الغربية، بينما تبنت القوات المسلحة المصرية فكرًا جديدًا في مفاهيم القتال، عبارة عن مزيج بين الفكر الشرقي، التابع للعسكرية السوفيتية، مضافًا إليه خبرة قتال المصريين في هذه الحرب الحديثة.
ويكفي أن نقول إنه بعد حرب أكتوبر 1973، ونتيجة لفشل أسلوب الدفاع المتحرك الإسرائيلي أمام هجمات المصريين، ونجاحهم في الاستيلاء على رأس كوبري بعمق 15 كم شرق قناة السويس، قامت قوات حلف شمال الأطلنطي بتطوير أسلوب الدفاع المتحرك ليأخذ شكلًا جديدًا، وهو أسلوب دفاعي أُطلق عليه "الدفاع النشط" (Active Defense)، وذلك نتيجة لفشله في صد الهجوم المصري.
كذلك تم تعديل أساليب الدفاع الجوي للاستفادة من الخبرة التي حققها المصريون بإنشاء حائط الصواريخ، ليظهر أسلوب جديد يقوم على تحييد القوات الجوية المعادية، ومنعها من التدخل في قطاع محدد من أرض المعركة. ولا ننسى أنه بعد إغراق المدمرة إيلات، توقّف العالم عن تصنيع المدمرات، وأصبحت الفرقاطات هي السلاح البحري الرئيسي لأي قوات بحرية في العالم.
وهكذا، ونتيجة لما حققه المصريون على أرض المعركة، أصبحت هذه الحرب قد غيّرت العديد من المفاهيم العسكرية على مستوى العالم كله.

تعليقات
إرسال تعليق