القائمة الرئيسية

الصفحات

في حضرة الصيام 7 ضبط النفس والغضب: حين يربح الصائم معركته الخفية

 



سلسلة مقالات رمضانية

بقلم: الأديب المفكر د. كامل عبد القوي النحاس

استهلال:

المعركة التي لا يراها أحد

ليست المعركة الكبرى في رمضان هي تلك التي نخوضها ضد هواجس الجوع وضنى العطش، فتلك معارك يسهل حسمها بسلطان الوقت وساعة الإفطار،

إنما المعركة الحقيقية والمضمار الوعر، هو ما يختلج في الداخل، مع الغضب حين يشتعل لظاه في العروق، ومع الكلمة حين توشك أن تنفلت من عقالها، ومع النفس حين تستحثك بغرورها على عاجل الرد. 


في نهار رمضان، يظن البعض أن "الإمساك" يقتصر على المادة، 

والحقيقة أن أسمى درجات الصوم هي "إمساكُ المعنى". فكم من صائمٍ كفَّ يده عن الطعام ليرضي ربه، 

لكنه أطلق لسانه في الانفعال ليُرضي كبرياءه! 

وكم من صائمٍ أرهق جسده بالظَّمأ، 

بينما خسرت روحه جولةً أخلاقية لأنها استسلمت لنوبة غضبٍ عابرة كادت أن تُحرق ثمار يومه التعبدي. 


إن رمضان لا يعلّمنا "الحرمان" السلبي الذي يورث الضيق، 

بل يعلّمنا "التحكم" السيادي الذي يورث الرفعة؛ 

ولا يدربنا على الصبر الظاهري المستكين، 

بل على "الاتزان الوجداني" الذي يجعل الصائم كالجبل الأشم، لا تهزه ريح الاستفزاز ولا تزعزعه حماقة الجاهلين. 


الصيام مدرسة ضبط النفس: فلسفة الكبح الواعي

الصوم في عمقه الفلسفي والتربوي هو تمرينٌ شاق ومتواصل على قول "لا" في وجه الرغبة، لا للطعام، لا للشراب، ولا للشهوة في أوجِ حضورها وإلحاحها. 

هذا الانضباط المادي ليس مقصوداً لذاته، بل هو "بروفة" كبرى لترويض القوى النفسية الغضوب. 

فإذا ما اعتادت النفس أن تُرجئ وتكبح شهوات البدن المحسوسة والضرورية للحياة، غدت بالضرورة أطوع وأقدر على كبح جماح الانفعالات النفسية الطائشة التي تشتعل لأدنى سبب. 


ولهذا جاء الوصف الإلهي لأهل الإحسان والتقوى بليغاً ودقيقاً في قوله تعالى: 


{الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: 134). 


تأمل في لفظ "الكاظِمين"؛ فالكظم لغةً هو سدُّ القربة بعد ملئها، 

مما يعني أن الغيظ موجود والقوة على الرد حاضرة، لكن الصائم يختار "السدَّ" والاحتجاز وعياً منه بأن الغضب نارٌ، والسكينة ماء. 


إن "كظم الغيظ" هنا ليس قمعاً داخلياً يورث الأمراض أو الانكسار، بل هو "وعيٌ وقائي" وحكمةٌ بالغة تُطفئ عود الكبريت قبل أن يشتعل حريقاً في العلاقات الإنسانية. 


الصائم يعيش هذا المخاض

الروحي مراراً في يومه: 

لحظة اشتعالٍ قصيرة تشدُّه لرد الإساءة بمثلها، يعقبها قرارٌ إيمانيٌّ طويل يختار فيه "الحلم" رداءً و"السكينة" مقاماً. 


الغضب قد يكون صرخة لحظة، لكن أثره في القلوب قد تدوم عمراً، والصائم الحكيم هو من يدرك يقيناً أي العمر أطول بقاءً وأحقُّ بالرعاية من اللحظة. 


المنهج النبوي: ميثاق السلوك في أتون الاستفزاز

لقد رسم لنا المعلم الأول ﷺ دستوراً عملياً يحمي حصون الصيام من التصدع والانهيار أمام ضغوط الحياة اليومية، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: 


«إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أحدِكم، فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» (متفق عليه). 


الرفث في دلالته هو فُحش القول وسخيف العبارة، والصخب هو ذلك الضجيج الذي يصحب الخصومات ويجلب جلبة السوء. 

والتوجيه النبوي هنا في غاية الجلاء: لا تدخل معركةً لا تليق بقدسية مقامك الذي أنت فيه. لا تجعل صيامك، الذي هو صلةٌ بينك وبين رب العالمين، رهينةً لاستفزازٍ عابر من عابرِ سبيل أو أحمقِ قول. 


وحين يحتدم الموقف وتضيق المسالك، استحضر ذلك الدرع الوجداني الواقي:

«إني صائم». 

إن هذه الجملة ليست مجرد إعلانٍ دفاعي موجه للآخرين، بل هي "مانفستو" تذكيري، وهتافٌ داخلي للنفس يذكرها بهويتها السامية في تلك اللحظة؛ فمن كان في "خلوة صيام" مع الله، 

ترفع بالضرورة عن مجاراة الخلق في صخبهم وغوغائيتهم. 


إنها كلمة السر التي تحول الطاقة الغاضبة إلى طاقة صبرٍ صامت ومؤثر. 


الوصية الجامعة: فلسفة "لا تغضب" كمفتاح للسلام

حين جاء رجلٌ يطلب جِماع الخير في وصيةٍ موجزة من النبي ﷺ، لم يزد له المعلم الأكبر عن قوله: 


لا تغضب 


وكررها مراراً رغم إلحاح الرجل بطلب الزيادة. وكأن الغضب هو ذلك "القفل المركزي" الذي إذا فُتح، تلاحقت بعده الشرور وتصدعت بسببه جدران الأخلاق. 


رمضان هو المختبر الواقعي والتطبيقي لهذه الوصية؛ ففي ساعات الإعياء الأخيرة قبل الغروب، ومع توتر الأعصاب الطبيعي بفعل انخفاض السكر في الدم، يكون الغضب أقرب ما يكون لليد واللسان، 


ولكن الإيمان والتربية الصيامية يجعلان "الوقار" أقرب للقلب والوجدان. 


النضج الإنساني في منظور الصيام ليس في "سرعة البديهة" بالرد المسكت أو الكلمة الجارحة، بل في "حكمة الأناة" وجمال التأجيل،

فالقوي ليس من يصرع الناس بلسانه، بل من يملك لجام نفسه عند فوران الدم. 


تجليات الضبط في واقعنا المعاصر: 


الامتحان اليومي

في ميدان العمل والدراسة: حيث الضغوط، والمنافسات، وأخطاء الزملاء، أو سوء تقدير الرؤساء؛ هنا يتجلى "الصائم القائد".

إنه الشخص الذي يتريث أمام الأزمة، محولاً الاحتكاك إلى حل، والتوتر إلى حوار بناء، 


متسائلاً بوعي: "أأبيع سكينة صومي وصفاء يومي بثمنٍ بخس من نصرٍ زائف في جدال عقيم؟". 


• في رحاب البيت وسكينة الأسرة: حيث تُستفز النفس بكلمةٍ عابرة من زوجة مجهدة أو أبناء صاخبين.

• هنا يختار الصائم "العفو" تاجاً والرفق سبيلاً، مدركاً أن كرامته ليست في "تحطيم" حجة الآخر، 

• بل في سيادته المطلقة على انفعالاته، فالبيت هو المحك الحقيقي لصدق مدرسة الصيام. 


• في الشارع والحياة العامة: وسط الزحام والتدافع وسوء الخلق؛ تبرز قيمة الصيام كـ "مهدئ اجتماعي". 

• فالصائم الحقيقي يحول ضجيج الشارع إلى سكونٍ داخلي، ويقابل الفجاجة بابتسامة الصبر، مؤمناً بأن صومه عن "الانفلات" الأخلاقي لا يقل أجراً عن صومه عن طعامه.

الخاتمة: الانتصار الصامت وبناء الإنسان الجديد

إن أعظم فوزٍ يحرزه المرء في رحاب هذا الشهر الكريم ليس عند دقات ساعة الإفطار أو امتلاء المائدة، 

بل في تلك اللحظة الحرجة والمفصلية التي كان بوسعه أن ينفجر فيها غضباً، ويهدم فيها جسور الود.. فآثر السلام وانتصر لروحانيته.

حين تحبس لسانك عن كلمةٍ جارحة كانت على وشك الخروج، وتخفض جناحك لمن جهل عليك، فأنت لا تخسر الموقف كما يتوهم الضعفاء،

بل تربح ذاتك وتصون صومك. الصائم الحق هو من يخرج من مدرسة رمضان وقد نال درجة "الأستاذية" في "فن الهدوء وسط الصخب"، وتعلّم كيف يكون حليماً في زمنٍ بات فيه الانفعال عملةً رخيصة. 


تأمل اليوم السابع :

قِف مع كينونتك في لحظة صدق:

كم من نارِ غضبٍ كادت أن تندلع، فأطفأتَها ببردِ "إني صائم"؟

كم من علاقةٍ كانت مهددة بالانهيار، فحفظتها بصمتك الواعي وتغافلك الجميل؟

هل استشعرت تلك "اللذة الروحية" العميقة التي تعقب كظم الغيظ، وهي لذةٌ تفوق بمراحل لذة الانتصار في الخصام؟ 


السؤال

• إذا كان الصيام قد علّمك بنجاح أن تقول لغضبك: "قف".. فهل ستملك الشجاعة لتمديد هذا "الكبح المقدس" بعد انقضاء رمضان؟

• هل سيظل "خُلُق الحلم" هو رداءك الدائم وسجيتك الثابتة حين يعود الجسد لشِبعه وتعود النفس لعاداتها؟

هناك، وبعيداً عن الأجواء الروحانية الجماعية وضوابط 

الشهر، يبدأ الامتحان الحقيقي والوحيد لمدى عمق صيامك، ومدى فاعلية "المعركة الخفية" التي خضتها بنبل.

تعليقات