سلسلة مقالات رمضانية
بقلم: الأديب المفكر د. كامل عبد القوي النحاس
استهلال: حين يرقّ القلب بعد جوع
في رمضان لا يجوع الجسد وحده… بل تستيقظ الروح من سباتها العميق.
حين ينهك الجوع المادة، يخفت صخب الشهوة، وتعلو في المقابل همسة الضمير، ويجد القلب الضائع في زحام الدنيا فرصة ذهبية ليعود إلى طبيعته الأولى التي فُطر عليها:
اللين.
فالصوم في حقيقته ليس مجرد انقطاعٍ عن الطعام والشراب،
بل هو انقطاعٌ عن القسوة، وانفصالٌ عن الأذى، وارتقاءٌ من ظاهر العبادة إلى جوهرها الحي.
وإذا كان الصائم يترك الحلال امتثالًا لأمر ربه، فكيف لا يترك الغلظة والفظاظة؟
وإذا كان يتحمل ألم الجوع لساعات، أفلا يتحمل زلة إنسان عابر أو خطأ قريب محب؟
هنا تتجلى حكمة الصيام الكبرى: أن يصنع إنسانًا رحيما.
الصيام مدرسة للرحمة
إن الامتناع الجسدي في الصوم ليس غايةً في ذاته، بل هو وسيلة لإحياء الحسّ الإنساني الذي قد يبهت بفعل العادة والأثرة.
حين يذوق الصائم مرارة الحاجة، يقترب وجدانيًا من معاناة الفقير، فيرقّ قلبه، ويتخفف من حدّة أحكامه، ويغدو أوسع صدرًا وأرحب أفقًا.
رمضان تدريب عملي على الرحمة من خلال:
كفّ الظلم ولو في كلمة عابرة أو إيماءة ساخرة.
تهذيب النبرة عند احتدام الغضب وضيق النفس.
ضبط الانفعال والثبات الأخلاقي أمام الاستفزاز.
الرحمة ليست خطابًا يُلقى، بل ممارسة يومية: في طريقة النظر، وفي اختيار الكلمة، وفي أسلوب العتاب. وحين ينجح الصائم في هذا الامتحان الأخلاقي، يصبح وجوده في بيته ومجتمعه مصدر طمأنينة لا بؤرة توتر.
القرآن والرحمة: سر اجتماع القلوب
لقد جعل القرآن الكريم الرحمة أساس القيادة الأخلاقية وسبب اجتماع القلوب.
قال تعالى:
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}
(آل عمران: 159)
وقال سبحانه:
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}
(التوبة: 128)
بهذا الخُلُق التفّ الصحابة حول نبيهم ﷺ، وبه تستقيم البيوت وتتراحم المجتمعات. فالاقتداء به لا يكون في صومه وقيامه فحسب،
بل في جوهر لينه وعفوه وصبره على الناس.
فلا معنى لصيامٍ يورث جفاءً، ولا لتلاوةٍ لا تُثمر في القلب رحمةً.
الرحمة في السنة: قاعدة الجزاء
قال رسول الله ﷺ:
«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ».
إنها معادلة واضحة: كما تعامل الخلق تُعامَل من الخالق.
فالرحمة ليست عاطفة عابرة، بل التزام عملي يظهر في أسلوب التربية، وضبط اللسان، والتغاضي عن الهفوات، والعفو عند المقدرة. ورمضان هو الموسم الأمثل لترسيخ هذا الخُلُق حتى يصير سجية ثابتة لا سلوكًا موسميًا.
تجليات الرحمة في الحياة اليومية
في البيت:
هو المعيار الحقيقي لصدق الصوم. الرحمة فيه تعني التريث عند الغضب، والعدل في الحوار، وبثّ الطمأنينة في نفوس الزوجة والأبناء.
الصائم الحق لا يجعل من إرهاقه مبررًا للخشونة، بل فرصة لمجاهدة النفس.
في العمل أو الدراسة:
الصائم الرحيم أكثر صبرًا وأهدأ نفسًا، يساعد بصدق، وينصح بلطف، ويتعامل مع الخطأ بهدوء. وجوده يخفف التوتر بدل أن يضاعفه.
في المجتمع:
تتجلى الرحمة في الصدقة، وزيارة المرضى، وإكرام المحتاجين، وكفّ الأذى عن الناس. وأعظم الرحمة أن لا تكون سببًا في ألم أحد، لا قولًا ولا فعلًا.
البعد الروحي: حين تمتزج العبادة بالخُلُق
حين تمتزج العبادة بالرحمة، يرتقي الصائم إلى مرتبة أسمى من الروحانية.
الرحمة تطهر القلب من القسوة، وتحرره من الأنانية، وتجعله أقرب إلى الله.
الصوم الكامل ليس جوعًا فحسب، بل سموّ في المعاملة، وهدوء في الرد، واختيار للكلمة الطيبة.
وهنا يبلغ الصيام غايته: أن يخرج منه الإنسان أصفى قلبًا، وأرقّ خُلُقًا، وأهدأ نفسًا.
خاتمة: امتحان الرحمة
رمضان مدرسة للرحمة، والنجاح فيها لا يُقاس بطول النهار أو شدة الظمأ، بل بمدى ليونة القلب بعد الجوع.
إن الامتناع عن الطعام لا يكتمل إلا بالرفق في القول، والعفو في الموقف، والإحسان في المعاملة.
فإذا انقضى الشهر، وبقي فينا خُلُق الرحمة، فقد نجحنا في الامتحان.
وإذا عاد القلب إلى قسوته الأولى، فذلك يعني أن الجوع قد مرّ بالجسد… لكنه لم يجد طريقًا ليمرّ بالروح.
تأمل اليوم الخامس
تأمل قلبك في هذا الشهر:
هل ازداد لينًا؟
هل صار أسرع إلى العفو والصفح؟
هل خفّ غضبه، ورقّ خطابه، واتسع صدره للناس؟
اجلس مع نفسك جلسة صدق، وراجع تفاصيل يومك، فالرحمة لا تُقاس بالشعارات، بل بالأثر الذي تتركه فيمن حولك.
السؤال
هل انعكس صيامي بوضوح على خُلُقي؟
كيف أتعامل مع أهل بيتي عند الإرهاق؟
هل كنت مصدر طمأنينة أم توتر؟
كم مرة أمسكت لساني عن كلمة جارحة؟
هل سأحمل خُلُق الرحمة معي بعد رمضان؟
فإن وجدت في الإجابة نورًا فاستبشر وزد، وإن وجدت نقصًا فاعلم أن باب التزكية ما زال مفتوحًا… ورمضان يمنحك فرصة جديدة للارتقاء.

تعليقات
إرسال تعليق