هنا نابل | بقلم المعز غني
ياربّ إجعلنا من أولئك الذين تُحبهم ، والذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون …
اللهم قرّبنا إليك تقرّبًا يُرضيك ، واعتق رقابنا من النار 🤍
رمضان ليس شهرًا عابرًا في رزنامة الأيام ، بل هو محطة روح ، وموعدٌ سنويٌّ تتجدّد فيه الأرواح كما تتجدّد الأرض بعد المطر.
هو ضيفٌ كريم ، إذا أقبل أقبلت معه الطمأنينة ، وسكنت القلوب بعد طول انشغال ، وشعر الإنسان أن بينه وبين السماء خيطًا من نورٍ لا ينقطع .
في رمضان، تتبدّل ملامح الزمن .
النهار عبادة وصبر ، والليل سكينة ومناجاة .
تخفّ الضوضاء في الخارج ، ليعلو الصوت في الداخل ؛ صوت الضمير ، وصوت الشوق ، وصوت الرجاء.
كأنّ هذا الشهر المبارك يُعيد ترتيب الفوضى التي تراكمت فينا ويذكّرنا بأننا خُلقنا لنسمو لا لنغرق في تفاصيل الحياة الصغيرة .
هو شهر الرحمة …
رحمةٌ تتنزّل على القلوب قبل الأجساد ، فتجعل القاسي لينًا ، والمُتعب صابرًا ، والمُخطئ تائبًا.
في رمضان نشعر أن الله أقرب ، وأن الدعاء أخفّ صعودًا ، وأن الدموع أصدق انسيابًا.
تتسع صدورنا للعفو ، ونمدّ أيدينا للصفح ، ونبحث عن كل طريقٍ يقودنا إلى رضاه .
وهو شهر المغفرة …
كم من قلبٍ أثقلته الذنوب ينتظر هذه الأيام ليعود خفيفًا ...! كم من عبدٍ ضلّ الطريق ثم عاد يستدلّ بنور الصيام والصلاة! المغفرة في رمضان ليست وعدًا بعيدًا ، بل هي بابٌ مفتوح ، من طرقه بصدقٍ فُتح له ، ومن بكى على عتبته دخل مطمئنًّا .
وهو شهر العتق من النار …
تلك الغاية العظمى التي ترتجف لها القلوب.
أن يكتبك الله من عتقائه ، أن ينادي أسمك في سجلّ المرحومين ، أن تُرفع من بين الخائفين إلى الآمنين.
في كل ليلةٍ فرصة ، وفي كل سجدةٍ نجاة ، وفي كل دعوةٍ بصيص أمل .
رمضان يعلّمنا أن القوة في الصبر ، وأن الغنى في القناعة ، وأن السعادة ليست فيما نملك ، بل فيما نشعر به من قربٍ إلى الله . يعلّمنا أن الجوع ليس حرمانًا ، بل تربية ، وأن العطش ليس ضعفًا ، بل تزكية .
في مدينتنا نابل ، كما في كل مدينةٍ طيّبة ، يضيء رمضان الوجوه قبل الشوارع ، وتتعانق الأرواح قبل الأيادي.
تتزيّن البيوت بنور الإيمان ، وتُرفع الأكفّ بالدعاء ، وتلتقي القلوب على مائدةٍ واحدة عنوانها المحبّة والتكافل .
فيا ربّ ، أجعلنا من أهل رمضان حقًّا ، لا من عابريه .
أجعلنا ممّن صاموه إيمانًا وإحتسابًا فغُفرت ذنوبهم ، ورُفعت درجاتهم ، وكُتبت أسماؤهم في زمرة المرحومين .
اللهم لا تجعل هذا الشهر يمرّ علينا إلا وقد أصلحت قلوبنا ، وغسلت ذنوبنا ، وكتبت لنا فيه نصيبًا من رحمتك التي وسعت كل شيء .
رمضان …
هو وعد السماء لكل قلبٍ أراد أن يعود .
هو رسالة حبّ من الله لعباده .
هو فرصة العمر التي تتكرّر ، فطوبى لمن أغتنمها ، وسار فيها إلى الله بخطى صادقة وقلبٍ سليم .
بقلم المعز غني عاشق الترحال وروح الاكتشاف

تعليقات
إرسال تعليق