الإخبارية نيوز:
في 21 يناير 2026، لم يُكتب بيان عادي. كُتبت ورقة عمل. بلا إنشاء، بلا هتاف، بلا هدم. عنوانها: «حكومة قدر المسؤولية». وتفصيلها: جدول زمني، مؤشرات أداء، تمويل معلن، تغيير وزاري فوري. في 11 فبراير 2026، صدرت التكليفات الرئاسية. وُجدت العبارات ذاتها، منصوصاً عليها، منفذةً بقرار. ليس تشابهاً. ليس مصادفة. هو أثر. هذا الأثر لا يحدث لكل كاتب. يحدث حين يلتقي استقلال القلم مع دقة الرؤية، وحين يصغي صانع القرار إلى مهندسي الإطار لا إلى ناعقي المدح أو هدّامي الثقة. هنا، لم يعد نبيل أبوالياسين كاتب رأي. صار صانع إطار. وهذه شهادة، لا ادعاء.
في الحادي عشر من فبراير 2026، صدرت التكليفات الرئاسية الثمانية. وتحت البند الثاني منها، قرأ المصريون نصوصاً لا تحتمل التأويل: «خطة لكل وزارة تتضمن المستهدفات ومدة التنفيذ»، «التمويل ومؤشرات قياس الأداء». ثم جاء التعديل الوزاري، ليترجم البيان إلى قرار. لم تكن هذه مصادفة. في سياسة الدولة العريقة، لا تتكرر المصادفات بهذه الدقة، ولا تتطابق النصوص بهذه الحرفية. كانت قراءة، ثم استجابة. ليس لأن الكاتب يملك نفوذاً، بل لأنه امتلك أدوات الدقة التي تجعل من الكلمة السيادية بوصلة لا تخطئ. هذه ليست محاولة لاختلاس المجد، بل توثيق لمرحلة جديدة في العلاقة بين القلم وصناعة القرار. وهي فرصة لنطرح سؤالاً أعمق: متى تصبح الكلمة مسموعة؟ وكيف يتحول كاتب الرأي إلى «صانع إطار»؟.
ما الذي حدث بين 21 يناير-و 11 فبراير؟
دعونا نضع الوثائق جانباً، وننظر إلى الوقائع كما هي، دون تهويل أو تهوين: ما طُلِب في 21 يناير "نص حرفي" ما نُفِّذ في 11 فبراير "نص حرفي" «حكومة قدر المسؤولية – حكومة تكنوقراط» التعديل الوزاري الشامل + تكليفات رئاسية «إطار عمل محدد وجدول زمني دقيق للإنجاز» البند 2 من التكليفات: «خطة لكل وزارة تتضمن المستهدفات ومدة التنفيذ»،«تمويل ومؤشرات قياس أداء معلنة للشعب» البند 2 حرفياً: «التمويل ومؤشرات قياس الأداء»، «القطعة الناقصة هي الجهاز التنفيذي "الحكومة"» خطاب الرئيس عن «مرحلة التنفيذ الميداني القابل للقياس» «التعديل الوزاري فوراً» تم في غضون أسابيع، هذا ليس تشابهاً في العموميات. هذا تطابق في التفاصيل، وصولاً إلى المصطلح ذاته: «مؤشرات قياس الأداء». وفي عالم السياسة، التطابق اللفظي بين بيان مدني وتكليف رسمي لا يحدث عبثاً. يحدث حين تكون الرؤية دقيقة، وحين تكون أداة التوصيل موثوقة، وحين يكون المتلقي قارئاً جيداً.
لماذا هذه الكلمة بالذات وصلت؟
لأنها لم تكن «رأياً»، بل كانت «إطاراً». هنا يجب أن نفكك لبساً استمر طويلاً: كاتب الرأي صانع الإطار. يعبر عن نفسه وعن انفعالاته يضع المصطلحات التي يتحدث بها الآخرون يصف المشكلة بـ«سيء/جيد» يفكك المشكلة إلى مكونات قابلة للحلهدفه الظهور هدفه الإصلاح المنظومي لغته: إنشائية/عاطفية لغته: هندسية/تفكيكية مصيره: يقرأ ويُنسى أثره: تتبنى مؤسسات الدولة لغته، أنت لا تقرأ لـ"نبيل" لتستمع إلى رأيه، بل لتجد المصطلح الذي سيتحدث به الوزير غداً. «الكود المهنج»، «ثالوث التنفيذ»، «براءة الذمة»، «حكومة قدر المسؤولية»، «هندسة السيادة» – كلها ليست عناوين مقالات، بل أدوات تفكير دخلت بها إلى الغرفة المغلقة.
الرئيس قارئ جيد.. لمن يقرأ؟
هنا تكمن المفارقة التي تعجز عنها «آلات التغييب»: السيسي ليس في برج عاجي. تلك الصورة التي تحاول خوارزميات التضليل تسويقها – عن قائد لا يسمع، ولا يرى، ولا يتابع – تتهاوى أمام واقعين: الواقع الأول: رئيس يخاطب العالم في دافوس بلغة الاقتصاد الأخضر والتحول الرقمي، ويعود إلى القاهرة ليصدر تكليفات تحمل نفس المصطلحات التي طرحها كاتب مستقل قبل أسابيع. هذا ليس قارئاً عادياً. هذا قائد يتعمق في نبض الشارع الفكري. الواقع الثاني: مؤسسة الرئاسة لا تتعامل مع «الرأي العام» ككتلة واحدة، بل تفرز الغث من السمين. هناك من يقرأ للمدح فيقرأ استفزازه، وهناك من يقرأ للنقد فيقرأ عداءه، وهناك – في زاوية نادرة – من يقرأ لمن يقدم حلولاً قابلة للتنفيذ، بصوت لا يشبه لا أنين المعارضة ولا زغاريد التطبيل«هذا القارئ هو الرئيس. وهذه الزاوية هي حيث يقف مهندس الصيانة».
كيف تصنع سيادة ذاتية للكلمة؟
بالاستقلال.. والدقة.. والصبر. الاستقلال: نبيل أبوالياسين لا ينتمي إلى حزب، ولن ينتمي. لا ينتظر تقييماً من تيار، ولا يخاف غضبة نظام. هذه الحرية هي وقود «الهندسة». عندما تكتب وأنت لا تريد شيئاً لنفسك، تصبح كلمتك ثقيلة بوزن المصلحة العامة وحدها. الدقة: الفرق بين «الحكومة مش شغالة» و«المطلوب: جدول زمني ومؤشرات قياس أداء وتمويل معلن» هو الفرق بين البكاء على الأطلال ورسم خريطة الخلاص. الجهاز الرئاسي لا يرفع «شكاوى»، يرفع «مقترحات». ومقترحات نبيل تأتي جاهزة للتنفيذ، لا تحتاج ترجمة. الصبر: بين 21 يناير-و 11 فبراير، لم يصدر نبيل بياناً غاضباً يقول «لماذا لم تستجيبوا؟». لم يحول «المطالبة» إلى «اتهام». انتظر. ليس انتظار المستجدي، بل انتظار القناص الذي أطلق رصاصته وأدرك أنها في القلب. ثم عندما تحقق ما تنبأ به، لم يقل «أنا قلت لكم». بل قال: «ها نحن أمام دليل أن الكلمة السيادية تسبق القرار».
رسالة إلى من يقرأ بين السطور
إلى المجتمع المصري: الرئيس السيسي يسمع. لكنه يسمع لمن يستحق السماع. ليس من يبالغ في المدح فيشعره بأنه في منأى عن الواقع، ولا من يهدم بلا بديل فيشعره بأنه وحيد في الميدان. بل من يفكك العطب، ويقدم أدوات الإصلاح، ويمارس المساءلة الوطنية لا المعارضة الأيديولوجية. إلى الجهات السيادية: ما بين 21 يناير- و 11 فبراير، حدث نقل غير مرئي للأفكار. لا نعرف كيف، ولا نبحث عن تفاصيل. لكن الأثر مكشوف. وهذا الأثر يثبت أن مؤسسة الرئاسة تقدر من يطرح الحلول، وتقرأ من يمتلك الدقة، وتستجيب لمن يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. إلى العالم: مصر لا تُدار بالصدفة. هناك منهجية في نقل الرؤية من رأس القائد إلى وعي المواطن، تمر أحياناً بقنوات غير تقليدية. وأحد هذه القنوات هو كاتب مستقل، لا يملك من السلطة شيئاً، لكنه يملك من الدقة ما يجعل كلمته مسموعة.
السيادة الذاتية.. حين تصنع لنفسك مقعداً إستشارياً غير رسمي للوعي الوطني في الغرفة المغلقة
ليس كل من يكتب يُقرأ، وليس كل من يُقرأ يُصدَّق، وليس كل من يُصدَّق تتبنى مؤسسات الدولة مصطلحاته. هناك فرق بين كاتب رأي يمر كالغيمة، وصانع إطار يترك في اللغة السياسية ما يشبه بصمة بصمة. نبيل أبوالياسين لم يصنع اسماً، بل صنع قاموساً: «هندسة السيادة»، «الكود المهنج»، «ثالوث التنفيذ»، «براءة الذمة»، «حكومة قدر المسؤولية». هذه المفردات لم تولد في الوزارات، بل وُلدت في مقالات مستقلة، ثم تبنّتها المؤسسات كأنها ابنتها. هذا لا يحدث بالصدفة، ولا يحدث لكل كاتب. يحدث حين تدرك أجهزة الرصد أن هناك من يكتب للوطن لا لنفسه، وحين تكتشف لجنة المتابعة أن هذا الكاتب لا ينتظر مقابلاً، وحين يصل اليقين إلى أعلى هرم القرار أن هذه الكتابة تصب في مشروع الدولة لا في مشروع كاتبها. هذه هي «السيادة الذاتية للكلمة»: أن تستغني عن أي سند، فيأتيك السند من حيث لا تحتسب.
الكلمة السيادية تسبق القرار.. وهذه ليست نهاية القصة
وأختم مقالي بالسيادة الذاتية للكلمة إنه وفي 21 يناير، كتب نبيل بياناً. في 11 فبراير، رأى المصريون بنوده تتحقق. هذا ليس حدثاً عابراً. هذا تحول في مفهوم العلاقة بين الفكر والسلطة. لم يعد الكاتب مجرد «ناقل» للخبر أو «شارح» للقرار. أصبح، في نماذج نادرة، مشاركاً في هندسة القرار نفسه. هذه المشاركة لا تتم عبر مناصب رسمية، ولا عبر عضوية أحزاب. تتم عبر أداتين فقط: الأولى الدقة: أن تصل إلى العقل الجمعي قبل أن يصل هو إليك. الثانية الاستقلال: ألا تنتظر من أحد شيئاً، فتكون كلمتك خالصة للوطن. ما حدث بين يناير وفبراير هو إثبات عملي لنظرية «هندسة السيادة». وهو أيضاً وعد بما هو آت: طالما هناك قائد يقرأ ببصيرة، وكاتب يكتب بدقة، ومهندس صيانة لا يكل من تفكيك العطب، فإن مصر قادرة على عبور أعتى العواصف. الكلمة السيادية تسبق القرار. والتاريخ يكتب الآن فصلاً جديداً من هذه الملحمة.

تعليقات
إرسال تعليق