كتب/ أيمن بحر
فى كثير من مجالات الحياة يبرز سؤال جوهرى لا يقل أهمية عن أى معادلة اقتصادية أو قرار سياسي هل الأهم هو الكم أم الكيف وهل كثرة الشىء تعنى بالضرورة جودته أم أن القيمة الحقيقية تكمن في النوع لا العدد
الكم يشير إلى العدد والحجم والتكرار وهو المقياس الأسهل في الرصد والتقييم فالأرقام سريعة الإقناع وتمنح شعورا زائفا بالإنجاز لذلك تلجأ إليه المؤسسات والدول وحتى الأفراد لإثبات النجاح لكن الخطورة الحقيقية تظهر عندما يتحول الكم إلى غاية في حد ذاته ويغيب السؤال الأهم ماذا قدم هذا العدد من قيمة حقيقية
أما الكيف فهو المضمون والأثر والعمق وهو المقياس الأصعب لأنه لا يخضع دائما للحسابات الرقمية بل يحتاج إلى وعي وخبرة وتقييم موضوعي فالعمل الجيد لا يقاس بعدد صفحاته بل بتأثيره والفكرة القوية لا تقاس بعدد مرات تكرارها بل بقدرتها على إحداث تغيير
في الإعلام مثلا قد تحقق بعض المنصات ملايين المشاهدات لكنها تفتقر إلى المصداقية أو العمق بينما يقدم إعلام آخر محتوى محدود الانتشار لكنه يصنع وعيا حقيقيا ويدوم أثره وفي التعليم قد تتخرج أعداد كبيرة من الطلاب سنويا لكن دون مهارات حقيقية بينما ينجح نظام آخر في تخريج عدد أقل بكفاءة أعلى
الكم دون كيف يؤدي إلى التضخم بلا مضمون ويخلق كيانات كبيرة هشة تنهار عند أول اختبار أما الكيف دون كم فيظل تأثيره محدودا إن لم يجد بيئة تسمح بتمدده هنا تظهر المعادلة المتوازنة حيث يصبح الكم وسيلة لنشر الكيف وليس بديلا عنه
الدول الناجحة لم تبن قوتها على كثرة المشروعات فقط بل على جودتها واستدامتها والمؤسسات الرائدة لم تركز على عدد العاملين بقدر ما اهتمت بكفاءتهم والأفراد المؤثرون لم يقيسوا نجاحهم بعدد العلاقات بل بقيمتها
الخلاصة أن الكم قد يلفت الانتباه لكن الكيف يصنع التاريخ والعدد قد يملأ الفراغ مؤقتا لكن الجودة هي ما يبقى ويستمر والوعى الحقيقي يبدأ عندما نكف عن الانبهار بالأرقام ونبدأ فى طرح السؤال الأصعب ما القيمة وما الأثر

تعليقات
إرسال تعليق