القائمة الرئيسية

الصفحات

التنمية المستدامة : بين الوعد والواقع.


طارق غريب يكتب

       

في أروقة الأمم المتحدة ، حيث تُكتب الأحلام على ورق رسمي ، يقف العالم اليوم أمام مرآة صادقة. مرآة لا تُجمّل ، بل تُظهر الجراح والأمل معاً. قبل عشر سنوات ، في أيلول 2015 ، وقّعت 193 دولة على وثيقة تاريخية : أجندة 2030 للتنمية المستدامة ، بسبعة عشر هدفاً تُشكل خريطة طريق لإنقاذ الكوكب والإنسان من الفقر والجوع والحروب والتغير المناخي. اليوم، بعد مرور عشر سنوات ، يصدر تقرير الأمم المتحدة السنوي لعام 2025 – التقرير العاشر – صرخةً مكتومة : نحن نتقدم ، لكن ببطء يُشبه الزحف ، وأمامنا خمس سنوات فقط لنغير المسار.


التقدم : نقاط ضوء في الظلام

رغم كل التحديات ، هناك إنجازات حقيقية لا يمكن تجاهلها. منذ 2015 ، انخفض عدد الأشخاص الذين يعانون من الفقر المدقعو، وتحسّنت صحة الأمهات والأطفال ، ووصل الكهرباء إلى ملايين في أفقر البلدان. الطاقة المتجددة أصبحت أسرع مصادر الطاقة نمواً ، والوصول إلى الإنترنت توسع ، مما يعني أن الجسور الرقمية بدأت تربط بين الشمال والجنوب. في 45 دولة ، أصبحت الكهرباء متاحة للجميع ، وفي 54 دولة أُقضي على أمراض استوائية مهملة. هذه ليست أرقاماً مجردة ، إنها حياة ملايين من البشر ، أطفال يذهبون إلى المدرسة ، نساء ينجون من الولادة ، مجتمعات تتنفس هواء أنظف.


الانتكاسات : الجراح التي لا تُشفى

لكن التقرير يُصرّح بلا مواربة : التقدم هش وغير متساوٍ. من 139 هدفاً فرعياً ، 35% فقط على الطريق الصحيح أو يتقدم ببطء معتدل ، 48% يتحرك ببطء شديد ، و18% تراجع عن مستويات 2015. الفقر المدقع يُصيب أكثر من 800 مليون إنسان ، والجوع يعود إلى الارتفاع ، والتغير المناخي يُفاقم كل شيء : درجات الحرارة في 2024 كانت الأعلى في التاريخ ، بارتفاع 1.55 درجة عن عصر ما قبل الصناعة. المساواة بين الجنسين تتقدم ببطء مخيّب ، وأكثر من مليار إنسان يفتقرون إلى مياه الشرب النظيفة. النزاعات ، الديون ، التضخم ، والكوارث الطبيعية تُعيق الجهود ، وأكثر الدول فقراً تُنفق 12% من إيراداتها على خدمة الديون بدلاً من التنمية.


في العالم العربي : بين الطموح والواقع

المنطقة العربية ، حسب تقرير مؤشر أهداف التنمية المستدامة لعام 2025 الصادر عن كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية بالتعاون مع شبكة الأمم المتحدة ، تُظهر تقدماً متفاوتاً. دول الخليج تقود في التنويع الاقتصادي والطاقة المتجددة ، لكن المنطقة ككل تواجه تحديات هيكلية : نزاعات مستمرة ، ضعف في الحوكمة ، ونقص في البيانات الدقيقة. الهدف 16 (السلام والعدل والمؤسسات القوية) هو الأضعف ، وهو شرط أساسي لتحقيق الباقي. رغم ذلك ، هناك إشارات إيجابية : الإمارات تُصدر تقاريرها الوطنية بانتظام ، ومصر تُقيم مؤتمرات دولية للتنمية المستدامة ، ولبنان يُنظم المنتدى العربي تحت شعار " إعادة الأمل ، إعلاء الطموح ".


هل هي قابلة للتنفيذ؟

الإجابة ليست نعم أو لا مطلقة ، بل: نعم ، بشرط. التقرير يُحدد ستة تحولات ضرورية : نظم غذائية مستدامة ، طاقة نظيفة ، تحول رقمي ، تعليم شامل ، وظائف كريمة وحماية اجتماعية ، وعمل مناخي. هذه ليست أحلاماً ، إنها ممارسات موجودة في دول كثيرة. لكنها تتطلب تمويلاً هائلاً : فجوة تمويل سنوية تصل إلى 4 تريليون دولار في الدول النامية ، مع انخفاض المساعدات التنموية 7.1% في 2024. الديون تُثقل كاهل الدول الفقيرة ، والدعم الدولي يتراجع. التقرير يدعو إلى إصلاح النظام المالي العالمي ، وشراكات حقيقية بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني.


الخلاصة : ليس مستحيلاً ، لكنه عاجل

التنمية المستدامة ليست مجرد أهداف مكتوبة ، إنها وعد بين الأجيال. إذا استمر الوضع كما هو ، سنفشل. لكن التقرير يُصر : "زالأهداف لا تزال في متناول اليد ، لكن فقط إذا تحركنا بسرعة ووحدة ". الوقت ينفد ، والأمل لا يزال موجوداً. يجب أن نُعيد الأمل ، ونُعلي الطموح ، ونعمل كأن الغد يعتمد عليناو، لأنه يعتمد فعلاً. 

ط

ارق غريب - مصر

تعليقات