بقلم الدكتورة سحر النجار عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر
في رحلة سياحية تجاوزت المسافات الطويلة والمدد الزمانية، بجسده الشريف وروحه الزكية، إلى معالم أرضية، وعوالم سماوية، برعاية ربانية، ورفقة ملكية، رأى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم من الآيات القدسية ما وصفه الحق سبحانه بقوله:" لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى"(النجم 18).
آيات تجددت معها النفحات الإلهية تخفيفًا وتسريةً عن قلب صاحب الرسالة المحمدية، الذي ثبت على دعوة الحق ثبات الجبال الرواسي؛ ثقة في وعد ربنا الذي وعد بإظهار دينه على الدين كله ولو كره المشركون فقال لعمه:" ياعم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركت"، حتى كان ما سمي بعام الحزن فابتلي صلى الله عليه وسلم بفقد عمه أبي طالب، وزوجه أمنا السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها، واللذان كانا له - بعد الله عز وجل- نعم الظهير الداخلي والخارجي من جبابرة مكة حينها، واللذين أغلظوا له، وصدوا الناس عن دعوته، وآذوه مع المستضعفين الذين صدقوا بنبوته، وآمنوا برسالته، وأذاقوهم ألوانا من العذاب.
وأثقل ذلك قلب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وخاصة بعد أن خرج إلى الطائف عله يجد النصرة، فما لقي منهم إلا الخذلان، فأغروا به سفهاءهم، ورموه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين، فانصرف راجعًا، وأتى ظل شجرة فصلى ركعتين، ثم لجأ إلى الله تعالى يعبر عن ضعفه وقلة حيلته بعد أن دعاهم إلى الإِسلام ولم يجيبوه، قائلا:( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكِلني؟ إلى بعيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أمْ إلى عدو ملَّكْتَه أمْري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، لك العُتبى حتى ترضى ولا قوة إلا بالله). وهنا أدركته عناية الله - عز وجل- ، وكانت الرحلة من بيت أم هاني برفقة الروح الأمين، كما قضاها رب العالمين، تماما على رسم عاده الملوك وآداب السلوك، فمن عادة الملوك إذا استزاروا حبيبا، وأرادوا إكرامه واحترامه، أرسلوا أخص خدامهم واعز نوابهم لنقل اقدامهم.
وقد شق جبريل الأمين صدره الشريف، وملأ قلبه حكمة وإيمانا، وانتهى الإسراء في المسجد الأقصى المبارك وسبحانه أصدق القائلين :" سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الإسراء 1) "، ومنه كان المعراج الى السماوات العلى وعالم الملكوت، ثم إلى سدرة المنتهى؛ لتتعاظم النفحات باللقاء المباشر برب العالمين دون حجاب؛ تاكيًا على أنه بعد العسر يسر، ومن رحم المحنة تكون المنحة، وأن الصبر لا شك يعقبه جبر، فقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الجهر بالحق أمام اهل الباطل الذين تحزبوا ضد الحق مجندين لحزبه كل ما في وسعهم؛ ظّنًّا منهم أنهم سيطفئون نور الله، وأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
وقد شاهد النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته هذه جملة من المشاهد والأمور العجيبة وصلى بالأنبياء والمرسلين ولقي الملائكة المكرمين، كما فرضت عليه الصلاة في هذه الليلة؛ إيذانًا بأهمية هذه الفريضة التي تجعل المسلم على موعد مع ربه خمس مرات في اليوم والليلة، وكأنها معراج المسلم إلى الله تعالى لترتقي روحه ويحيى حياة طيبة.
فاللهم كما جبرت بخاطر حبيبك ومصطفاك، وبددت همومه في هذه الليلة، وكشفت له الحجب اجبرنا جبرا يليق بجلالك وجمالك وعظيم سلطانك، واسترنا بسترك الجميل، والطف بنا فيما جرت به المقادير، واقدر لنا الخير حيث كان ثم ارضنا
به.آمين

تعليقات
إرسال تعليق