بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي
تمركزت الدبابات السعودية على الحدود الشمالية لليمن وغطت الطائرات الحربية السماء في مهمة تبدو واضحة سحق التمرد الحوثي وقطع الطريق على النفوذ الإيراني، لكن تحت سطح هذه الحرب الكبيرة، كان هناك تيار آخر أعمق وأكثر التواءً يجري في عروق الجنوب اليمني، حيث تحولت السواحل المطلة على باب المندب وخليج عدن إلى ساحة لصراع خفي مختلف، صراع على شكل اليمن المستقبلي ونفوذه بين حلفاء الأمس فالتحالف الذي قادته الرياض ودعمته أبوظبي لم يكن كتلة صماء، بل تحول سريعاً إلى وعاء تتصارع فيه رؤيتان لمستقبل هذه الأرض المنكوبة، رؤية تريدها حديقة خلفية آمنة موحدة، وأخرى تريدها محميات نفوذ منقسمة تضمن السيطرة على طرق التجارة العالمية وفي قلب هذا الصراع، برز المجلس الانتقالي الجنوبي ليس مجرد فصيل محلي، بل أداة وهدف في نفس الوقت، يحمل أحلام انفصال عمرها عقود ويلعب بورقة التدخل الإماراتي لتحقيقها، مما خلق مثلثاً من التوترات أعاق الحرب وزاد من تعقيدها.
لم تكن الرياض تنظر إلى اليمن عبر عدسة الانفصال، بل عبر عدسة الأمن القومي المباشر، فحدودها الجنوبية الطويلة مع اليمن جعلت منها نقطة ارتكاز لا تحتمل وجود دولة ضعيفة أو مقسمة قد تنفذ منها أيدي طهران، لذلك كان هدفها واضحاً منذ البداية استعادة الدولة المركزية وطرد الحوثيين من صنعاء، وخلق يمن موحد وحليف جاءت الإمارات إلى الحرب بدافع مختلف، فرؤيتها التجارية والعسكرية امتدت أبعد من الحدود البرية، لتصل إلى المياه الاستراتيجية حيث تمر أكبر سفن النفط في العالم، فسيطرتها على السواحل الجنوبية تعني تأميناً لهذا الممر وبناء نقاط نفوذ تعزز مكانتها كقوة إقليمية صاعدة، فبدلاً من دولة مركزية واحدة، فضلت أبوظبي العمل مع كيانات محلية متعددة يسهل التأثير عليها، وأبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي الذي وجد في الدعم الإماراتي منقذاً لحلمه القديم في إعادة دولة الجنوب.
هذا التباين في الرؤى تحول إلى صراع ميداني على الأرض، فبينما كانت القوات السعودية تركز قصفها على معاقل الحوثيين في الشمال، كانت القوات المدعومة إماراتياً، وأبرزها "الحزام الأمني"، تبسط سيطرتها على المدن الجنوبية الرئيسية مثل عدن والمكلا، وتسحب البساط تدريجياً من تحت أقدام الحكومة المعترف بها دولياً والتي تدعمها الرياض بل إن التوتر وصل إلى حد الاشتباكات المسلحة بين قوات الطرفين في عدن عام 2019، في مشهد كشف هشاشة التحالف ووضع السعودية في موقف محرج، حيث اضطرت للوساطة بين حليفتها الإمارات والفصيل الذي تدعمه ضد حكومتها التي تدافع عنها كانت الرياض تحاول إدارة حرب على جبهتين جبهة واضحة ضد الحوثيين، وجبهة خفية لكنها ليست أقل ضراوة للحفاظ على وحدة تحالفها ومنع الجنوب من الانفلات الكامل نحو المشروع الانفصالي المدعوم إماراتياً.
المجلس الانتقالي الجنوبي، من ناحيته، لم يكن مجرد دمية في هذه اللعبة، بل لاعباً يدرك قيمته ويعرف كيف يستفيد من التنافس بين عملاقي الخليج، فهو يقبل الدعم الإماراتي العسكري والمالي لتعزيز سيطرته، ويجلس إلى طاولة المفاوضات مع السعودية تحت مظلة "اتفاق الرياض" عندما يريد شرعنه وضعه وكسب الوقت، ويستخدم خطاب الانفصال لتحشيد أنصاره في الداخل هذه المراوحة جعلت منه قوة لا يمكن تجاهلها، لكنها أيضاً جعلت الحل السياسي الشامل بعيد المنال، لأن أي تسوية مع الحوثيين في الشمال ستفتح ملف الجنوب بشكل حتمي، وهو الملف الذي تختلف عليه أقرب الحلفاء.
اليوم، لا يزال هذا النزاع الثلاثي يسمم آفاق السلام في اليمن، فالمباحثات مع الحوثيين تتقدم وتتأخر، لكن شبح تقسيم اليمن يلوح في الخلفية كخيار قد تدفع إليه فشل هذه المباحثات، وهو خيار ترى فيه الرياض تهديداً وجودياً، بينما قد ترى فيه أبوظبي فرصة لترسيخ إنجازاتها واليمنيون العاديون، شمالاً وجنوباً، يدفعون ثمن هذه الحسابات الجيوسياسية المعقدة، حيث تحولت أحلام الاستقرار إلى سراب، والتحالفات الكبيرة إلى مصدر جديد من مصادر التشتت والمعاناة. الحرب في اليمن لم تعد مجرد صراع على السلطة في صنعاء، بل هي اختبار لمستقبل نظام التحالفات في المنطقة، وقدرة القوى الإقليمية على إدارة تنافسها دون أن تدفع الشعوب الثمن الكامل.

تعليقات
إرسال تعليق