القائمة الرئيسية

الصفحات



الأديبة والمفكرة: الدكتورة جعدوني حكيمة.


من كتاب: تأويل الأحرف في القرآن الكريم.


بسم الله الرحمن الرحيم،

والحمد لله ربّ العالمين،

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


وحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ والْإِنسِ والطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴿ سورة النمل 17﴾.


🔷 التحليل الحرفي لكلمة: الطير.

تتكوّن كلمة الطير من الحروف الآتية:

أ – ل – ط – ي – ر

وتُقرأ تأويليًا على النحو التالي:

الط ← ثم ي ← ثم الر.


🔹يأتي حرف الياء هنا منفردا، وحين يتوسّط بين حرفين، فإنه يشير إلى انقسام دلالي مزدوج؛ كما ورد شرحه سابقا في تأويل كلمة المصيطر.

وعليه؛ ينقسم التركيب إلى قسمين:

الط قسم قائم بذاته، الر قسم قائم بذاته.


جعل الله تعالى مفاتيح أسمائه في الحروف المقطّعة التي افتتحت بها السور، فجاءت إشاراتها موزّعة على الكلمات المرمّزة في القرآن.

نأخذ هنا حرف الياء، ونبحث عن مفتاحه الأسماء، ي، واقع بين حرفين كلٌّ منهما مبدوء بـ ال، أي: الط ثم الر،

فيكون المفتاح الاسم الجامع هو: ألم

وعند إضافة حرف الميم لكل قسم، تتشكّل الكلمتان الباطنيتان:

الط + م = الطم

ال ر + م = الرم


نمر الآن إلى الدلالة الرمزية لهذه الحروف:

🔹حرف الطاء في بداية الكلمة يدلّ على الطول.

🔹حرف الراء في نهاية الكلمة يدلّ على القصر.


هام جدا: حين ترد كلمة في القرآن تبدأ بـ الـ، فإن توزيع هذه الأداة التعريفية يكون على البنية الرمزية الداخلية للكلمة المرمَّزة، كما في كلمة الطير التي تحيل تأويليا إلى:

الطم ثم الرم.


تعدّ جنود الجنّ والإنس والطير من جنود الأرض، إذ تضمّ الأرض أصنافا عديدة من الجنّ الطيّارة، ومن الشياطين ذوي الأجنحة، وعلى رأسهم شياطين الطم والرم.

وقد قضت الملائكة في الأزمنة الأولى على معظم شياطين الطم والرم، غير أنّ قائد الطم نجا، وحين لم تتمكن الملائكة من الظفر به، نزل ملك الموت ليقبض روحه، غير أنّ الأمر الإلهي قضى بتقييده بسلاسل من جحيم، في أعماق الساحل الإفريقي، إذ إن سرعة ملك الموت في الطيران جاوزت مكيدة الوحش وجبروته.

وحكم عليه بالبقاء حيّا إلى حين، إذ لا يقضى عليه إلا بسيف النصر المقدس، ريثما يحين وقت الملك القائم، كما سطّر ذلك في أمّ الكتاب.


حين توجّه الملك القائم إلى الساحل، وقبل نزوله البحر، كان عليه أن يستعين بملك الموت، وهو ما لم يتوقّعه قائد شياطين الطم الوحش.

ذلك القائد الذي أفسد في المعمورة، وادّعى الألوهية، وامتلك قدرة مروّعة على الاستشعار عن بُعد، يلقي بها هيمنته على العقول والنفوس لجعلهم يسجدون له. كان وحشًا مقيّدًا بالأغلال، متسلّطًا على الأذهان بمختلف صورها وأشكالها، قاد العوامّ عبر تجسيد رغباتهم المكنونة، فخضعوا له طوعًا.

وحين نزل الملك القائم إلى البحر، أبصر وحشًا أسطوريًا مكبّلًا، يئنّ من ثقل القيود. غير أنّ الخطر يكمن في مواجهته؛ إذ كان أذكى الكائنات الأرضية الأزلية، لا يُقهر بجمع ولا تغلبه قوة. هو الخراب حيثما حلّ، والرجس القاتم حيثما تنفّس.

كما أنه لا توجد وسيلة للقضاء عليه إلا بمواجهته مباشرة ودون خطأ يذكر؛ فعليه حراسة من الملائكة مشدّدة تتناوب على المكان، لأن البقاء حيث هو لفترة أطول مميت.


قلّد الملك الشيطان الإله ويحسده، واتّخذ لنفسه وزيرًا كما اتّخذ الله جبريل عليه السلام ملاكا رسولًا، فجعل الشيطان قائد شياطين الطم ذراعه الباطشة.

وعده بالشراكة في الألوهية، ومنّاه بالتحرير، غير أنّ الوعد بين الظالمين غرورٌ متبادل:

بسم الله الرحمن الرحيم

قلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاواتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍ مِّنْهُ ۚ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴿ سورة فاطر 40﴾


 كان للوحش نقطة ضعف واحدة: الهوس بالجمال المطلق.

فأُقيمت له الطقوس، وسِيقَت إليه الحسناوات قرابين طيلة مدة بقاءه مقيّدا في بحر الساحل الإفريقي، فغدا جمالهن وقودا لسطوته، واستُخدم الاستشعار عن بعد لإخضاع النفوس البشرية، وسَوقها نحو الهاوية.


لكن، كيف يتصدّى له الملك القائم؟

النبي شيث في عالم الإنس هو الملك القائم في عالم الجنّ، وهو الرجل المصيطر في عالم الشياطين. 


الولوج إلى عالم التنين هي الخطوة الأولى نحو المواجهة الأعتى، وما إن استشعر التنين اقترابه، حتى هاج، فتعالت الأمواج من حوله، واهتزّت الأعماق من ضربات أجنحته الستمئة، ورؤوسه الستة، وأرجله الستون. ظلّ الملك القائم يتبع إشارة الإله بثبات، متوغّلا في الانعكاس، حيث يكون لكل مخلوق من الأحياء نظير ينعكس في مرآة عالم آخر؛ فمنهم من تكون نظيره روحا ملائكية، ومنهم من يكون نظيره أحد الحيوانات من الطيور أو الوحوش. فيقال عن هذا: حقود كالجمل، وعن ذاك وفيّ كما الكلب، أو شرس كالأسد. لكن بعض الناس ابتعدوا كليّا عن طبائع الإنسان، وغاصوا في بحر الموبقات، فأضحوا شياطين من الإنس.


 لما دخل الملك القائم عالم الوحش أدرك أن للوحش نظيرًا في عالم الجنّ: رجلًا خالدًا من المنظَرين.له أتباع وأعوان. وهنا؛ اتضّحت الخطوة التالية: أن يرفع سيف النصر، ويوجّهه إلى عنق النظير فيهلكه بضربة قاضية، فإذا سقط ذلك الرجل الخالد، سقط معه الوحش التنين ميّتا.


كانت رؤوسه الستة، وأجنحته الست مئة، وأرجله الستون، رموزًا للأرواح التي امتلكها، وبضرب النظير زال سرّ خلوده.

وقبل أن يعود للحياة، قبض ملك الموت روحه بسرعة خاطفة، وطوى بها العوالم، فانتهى خطره إلى الأبد.


خاتمة منهجية


تنطلق هذه التجربة التأويلية التدبّرية من اعتبار الحرف والكلمة القرآنية وحدتين معرفيتين تحملان إشارات روحية قابلة للتكشّف.

ومن هنا، تُفتح الدعوة لكل متأمّل أن يبدأ رحلته التدبّرية من كلمة واحدة في القرآن الكريم، تشدّه وجدانيًا، فيقيم معها صحبة قراءة وتأمّل، ويختار لها ليلة هادئة، تسبق صلاة الفجر، يمنحها الزمن الكافي لتتكشّف طبقات معناها، لأن التدبّر فعل تربوي وروحي متدرّج.


،؛، دمتم يقظين… تفلحوا ،؛،


تحياتي لإدارة جريدة بوابة الاخبارية الراقية،

وبالتوفيق والسداد للجميع.

تعليقات