كتب الأديب أحمد أمين عثمان
سقطت أقنعة ما وراء الستار وأزيح الطريق لنهوض عملاق ثائر بزي تاجر طماع يعيد ترتيب من سيحكم الكوكب في المرحلة القادمة
ما جرى في النرويج ليس خبرا عابرا ولا تفصيلا إداريا يمر في شريط الأخبار.
ما حدث هو لحظة صدق قاسية بين الدولة ومواطنيها دولة هادئة لا تعرف الهستيريا الوطنية ولا القومية ولا تعيش على إستعراض الملكية أو الجنرالات ولا تصرخ بالشعارات.
دولة بنت صورتها لعقود على العقلانية والرفاه وإحترام القانون.
ومع ذلك أستيقظ ألاف المواطنين على رسالة رسمية صادرة عن الجيش لا تحمل أي مساحيق تجميل لغوية ولا عبارات مطمئنة زائفة.
الرسالة تقول ببساطة
في حال نشوب حرب أو نزاع خطير للدولة الحق في إستخدام بيتك وسيارتك وقاربك ومعداتك وممتلكاتك الخاصة لصالح الدفاع الوطني.
ثم تضيف ببرود قاتل إن هذا ليس إعلان حرب بل إجراء جاهزية قانوني قائم منذ زمن وسيتم تفعيله عند الضرورة.
والأخطر أن هذه الإجراءات ستتوسع إبتداء من فبراير 2026 مع إرسال ألاف الإخطارات الجديدة أو المجددة ما يعني أن الأمر ليس طارئا بل مسارا مستمرا يترسخ ويعاد ضبطه.
ما فعلته النرويج ليس إدارة أزمة بل كشف عصب الدولة دون تخدير وأن الملاجئ جاهزه.
الدولة هنا لم تتخف خلف خطاب الملكية المقدسة ولا رفعت راية الديمقراطية كدرع أخلاقي.
بل قالت الحقيقة العارية كما هي في كتب الإستراتيجية العليا عند الخطر كل شيء مورد
تحت تصرفنا من الأرض والبيت والأفراد وكل مايملكه حتى الزمن.
هذه ليست ملكية أو شيوعية ولا فاشية ولا إنحرافا طارئا عن الديمقراطية.
هذا هو منطق الدولة حين تكف عن الكذب على نفسها وعلى مواطنيها.
النرويج لم تهدد شعبها بل إحترمت وعيه إلى حد القسوة.
لم تقل لهم بيوتكم لكم إلى الأبد بل قالت لن نكذب عليكم حين يحين وقت الحقيقة.
هنا سقطت أقنعة كثيرة دفعة واحدة.
سقط وهم أن الديمقراطية تحمي الملكية في كل الظروف.
سقط وهم أن الدولة خادمة دائمة للفرد.
سقط وهم أن القانون عقد أبدي غير قابل للتعليق.
القانون في لحظة الخطر يصبح أداة بقاء لا وثيقة أخلاق.
السؤال الساذج الذي ركض إليه الإعلام بسرعة
الحرب مع من روسيا أم أمريكا هذا سؤال هواة.
الدول الجادة لا تبني جاهزيتها على أسم عدو بل على فرضية الإنهيار العام.
نعم النرويج عضو في الناتو ولها حدود مع روسيا والسيناريو الروسي حاضر في غرف التخطيط.
لكن الرسالة أبعد من موسكو وأوسع من واشنطن.
الرسالة الحقيقية تقول
النظام الدولي الذي بنيتم عليه شعوركم بالأمان يتفكك.
الحماية لم تعد مضمونة.
والتحالفات لم تعد زواجا مقدسا بل عقود ايجار قابلة للفسخ في اي لحظة.
أوروبا التي عاشت عقودا في نعاس الرفاه بدأت تفهم متأخرة أن السلام لم يكن قاعدة تاريخية بل إستثناء نادرا.
الصراع مع روسيا ليس بالضرورة غزوا عسكريا بل إستنزاف طويل النفس بين حرب طاقة
أو ضغط نفسي أو تشويش سياسي أو تفكيك داخلي من دون إطلاق رصاصة واحدة.
وأمريكا لم تعد الحليف المطلق ولا العدو الواضح.
هي قوة عظمى تتصرف اليوم بمنطق التاجر الطماع إدفع ثمن أمنك أو أبحث عن بديل
أو دافع عن نفسك.
من هنا بدأت أوروبا تستفيق و تعيد تسليح القوانين قبل تسليح الجيوش.
تضبط الملكية و تعيد تعريف الحقوق وتجهز المجتمعات نفسيا لفكرة لم ترغب بسماعها طيلة عقود.. الدولة عند الخطر تعلو على الفرد والبقاء يسبق الحرية.
هنا نصل إلى جوهر العنوان إنقلاب السحر على الساحر.
الديمقراطية التي أستعملت لعقود كواجهة ناعمة للهيمنة ولإدارة الشعوب بالأوهام بدأت تنقلب على صانعيها.
حين تهتز المنظومة يسقط الخطاب الأخلاقي أولا ويظهر الجوهر الصلب الدولة ككيان بقاء
والشعب كرصيد استراتيجي لا كناخب مدلل.
ما نراه اليوم ليس بداية حرب واحدة بل نهاية مرحلة كاملة.
نهاية وهم العالم المستقر ونهاية فكرة أن التاريخ توقف.
و نهاية الإعتقاد أن النظام الدولي محكوم بالقيم لا بالمصالح.
نحن أمام نهوض عملاق ثائر ليس دولة بعينها بل كيان خلف الستار و منطق جديد يعيد ترتيب من سيحكم الكوكب في المرحلة القادمة.
من يملك القدرة على الصبر ومن يملك مجتمعا متماسكا ومن يملك دولة لا تخجل من قول الحقيقة حتى لو كانت موجعة.
إلى إين نحن ذاهبون نحن ذاهبون إلى عالم أقل نفاقا أكثر قسوة و أوضح خطوطا.
عالم تسقط فيه الاقنعة وتعود فيه الدولة إلى اصلها كيان بقاء لا جمعية خيرية ولا مسرح ديمقراطي دائم.
من يفهم هذا مبكرا ينجو ومن يصر على النوم في وهم الرفاه سيستيقظ يوما على رسالة
أشد قسوة وأقل تهذيبا أفلا تعقلون.

تعليقات
إرسال تعليق