القائمة الرئيسية

الصفحات

'خلف جدار الصمت: "حصانة السلاح" تفتح باب التحرش داخل فصائل غزة

'خلف جدار الصمت: "حصانة السلاح" تفتح باب التحرش داخل فصائل غزة


يارا المصري 


بينما تنشغل غزة بضجيج المعارك والسياسة، ينمو في الظل ملف شائك يهدد النسيج الأخلاقي والمجتمعي؛ شهادات متصاعدة تتحدث عن انتهاكات وتحرش جنسي داخل أروقة بعض الفصائل المسلحة. هنا، لا تواجه النساء "الاحتلال" فحسب، بل يواجهن منظومة داخلية تستخدم "الرمزية الوطنية" درعاً للإفلات من العقاب، وتحتجز العدالة خلف قضبان "المصلحة العامة".يُعد نقد الفصائل المسلحة في غزة "منطقة محظورة" لدى الكثيرين. فالنفوذ الواسع لهذه القوى في إدارة الشؤون اليومية خلق حالة من "الهيبة القسرية"، حيث يُنظر إلى أي اتهام ضد فرد ينتمي للفصيل كأنه هجوم على "فكرة المقاومة" ذاتها. هذا الخلط المتعمد بين السلوك الفردي المشين والرمزية الوطنية هو ما يمنح المعتدين حصانة غير معلنة.يقول مراقبون حقوقيون إن غياب الرقابة المستقلة وتراجع دور المؤسسات الرسمية جعل من مقار العمل التطوعي والسياسي التابع لبعض الفصائل بيئة خصبة للاستقواء بالمنصب. الصمت هنا ليس خياراً، بل هو نتيجة مباشرة لآلية أمنية تخنق النقاش العلني حول الانتهاكات الداخلية.تتعدد الروايات التي تتداولها ناشطات في غزة، وإن كانت أغلبها لا تصل إلى أروقة المحاكم. تروي (س. م)، وهي متطوعة سابقة في أحد الأطر السياسية: «تعرضت لتحرش لفظي وجسدي متكرر من مسؤول المكتب. عندما حاولت الشكوى، قيل لي: "ستحدثين بلبلة لا تخدم التنظيم"، وشعرت أنني أنا المتهمة بتهديد وحدة الصف، وليس هو المعتدي».شهادة أخرى لـ (م. أ) تكشف عن نمط من الابتزاز: «يستغل البعض نفوذهم الأمني أو قدرتهم على توفير المساعدات للضغط على النساء. التهديد ليس دائماً بالرصاص، بل غالباً ما يكون بـ "السمعة" أو "قطع الرزق"، في مجتمع لا يرحم الضحية».تواجه المنظمات الحقوقية في غزة مأزقاً أخلاقياً ومهنياً. فهي تدرك تماماً حجم الانتهاكات، لكنها تصطدم بجدار من الترهيب أو "الوعظ الوطني". البيانات التي تصدر غالباً ما تكون خجولة، تطالب بـ "بيئة آمنة" دون تسمية الجناة أو الضغط الحقيقي لمحاكمتهم. هذا العجز المؤسساتي يسهم في تكريس ثقافة الإفلات من العقاب، ويجعل من "المطالبة بالتحقيق" مجرد صرخة في وادٍ سحيق.إن نقد الحالة القائمة يكشف عن منظومة عوائق تمنع الوصول للعدالة:تسييس القضاء: غياب نظام قضائي موحد ومستقل، حيث تتدخل الأجنحة العسكرية أحياناً لمنع محاسبة أفرادها.الوصمة الاجتماعية: في بيئة محافظة، تظل الضحية هي "المسؤولة" في نظر المجتمع، بينما يخرج المعتدي "بطلاً" يحمل سلاحه.غياب الحماية: لا توجد آليات حماية حقيقية للمبلغات؛ فالخصم هنا هو "القوي" الذي يمتلك السلاح والنفوذ.إن محاولة حماية "سمعة المقاومة" عبر التغطية على المتحرشين والمنتفعين هي أكبر طعنة في خاصرة النضال الفلسطيني. المقاومة الحقيقية لا تستقيم مع ظلم النساء أو استغلالهن.إن استمرار هذا التعتيم لن يؤدي إلا إلى انفجار اجتماعي مستقبلي، ولن تتعافى غزة ما لم تدرك فصائلها أن السلاح الذي لا يحمي كرامة نسائها هو سلاح فاقد للشرعية الأخلاقية. الحاجة الآن ليست لبيانات إدانة، بل لآليات محاسبة علنية، ترفع الغطاء عن كل من يستغل "القدسية" لإشباع غرائزه.

تعليقات