بقلم. الدكتورة عطيات صبحي
في الآونة الأخيرة، يواجه مجال التأهيل والجودة والاعتماد تحديًا خطيرًا يتمثل في ظهور ما يمكن تسميته بـ السوق السوداء للتأهيل والاعتماد، وهي ظاهرة تهدد جوهر الاعتماد وتحوله من أداة حقيقية لبناء أنظمة جودة مستدامة إلى مجرد إجراء شكلي يهدف للحصول على شهادة بلا أثر فعلي.
الاعتماد في حقيقته ليس ملفات مكتملة ولا زيارة ناجحة، بل هو عملية تأسيس طويلة المدى تهدف إلى ترسيخ ثقافة الجودة داخل المؤسسة الصحية، وإشراك جميع العاملين في فهم المعايير وتطبيقها ممارسةً يومية، لا حفظًا وقت الزيارة.
من بناء الأنظمة إلى الحلول الجاهزة
أصبحنا نشهد انتقالًا مقلقًا من مفهوم بناء النظام إلى الاكتفاء بحلول جاهزة، حيث تدخل بعض فرق “التأهيل” إلى المؤسسات الصحية محمّلة بسياسات وخطط وبرامج ومؤشرات أداء مُعدة سلفًا، لا يطرأ عليها سوى تغيير اسم المنشأة أو شعارها، دون مراعاة لطبيعة المؤسسة أو إمكاناتها أو احتياجاتها الفعلية.
وهكذا يتحول التأهيل من عملية تطوير مؤسسي إلى مجرد نقل ملفات.
التأهيل الموسمي وثقافة ما قبل الزيارة
تتركز الجهود في كثير من الأحيان قبيل الزيارة بفترة قصيرة، فتُعلّق بعض الملصقات، وتُعقد لقاءات سريعة للعاملين، ويُطلب منهم حفظ عبارات محددة والإجابة على أسئلة متوقعة، في مشهد يعكس فهمًا خاطئًا لمعنى الجاهزية والامتثال.
وفي بعض الحالات الأكثر خطورة، يحضر فريق التأهيل نفسه أثناء الزيارة بصفة أعضاء في المؤسسة بعقود مؤقتة أو صورية، ثم ينسحب فور الحصول على الاعتماد.
ماذا يتبقى بعد الزيارة؟
لا يتبقى الكثير.
فالنظام لم يُبنَ،
والثقافة لم تترسخ،
والممارسات تعود إلى سابق عهدها،
وتبقى الشهادة وحدها شاهدة على اعتماد بلا نظام وبلا جودة وبلا استدامة.
لماذا تُعد هذه الظاهرة كارثية؟
لأنها:
تُفرغ الاعتماد من مضمونه الحقيقي
تُضعف ثقة العاملين في مفهوم الجودة
تظلم المؤسسات التي تعمل بجدية وأمانة
وتُحوّل الجودة من وسيلة لتحسين الرعاية إلى عبء إداري شكلي
والأخطر من ذلك أن المريض لا يلمس أي تحسن حقيقي في الخدمة المقدمة.
الاعتماد مسؤولية لا صفقة
الاعتماد الحقيقي لا يُشترى، ولا يُستعجل، ولا يُستورد.
بل يُبنى من داخل المؤسسة، وبأيدي العاملين بها، وبدعم قيادتها، وبمتابعة مستمرة قبل الزيارة وبعدها.
وختاماً:
إن مواجهة ظاهرة السوق السوداء للتأهيل والاعتماد مسؤولية مهنية وأخلاقية، لأن الاعتماد في جوهره التزام بتحسين الخدمة وحماية المريض، وليس مجرد شهادة تُعلّق على الجدران.
وإذا فقد الاعتماد معناه، فقدنا معه فرصة حقيقية لإصلاح منظومة نحن في أمسّ الحاجة إلى تطويرها بصدق لضمان جودة الخدمة وجودة
الصحة وجودة الحياه للمواطنين.

تعليقات
إرسال تعليق