بقلم الأديب: د. كامل عبد القوى النحاس
الرافعي حارس لغة القرآن
كيف جعل البلاغة وسيلة للدفاع عن هويتنا؟
اللغة روح الأمة.. لا مجرد أداة
لم يرتضِ مصطفى صادق الرافعي أن تكون اللغة مجرد وسيلة تقنية للتواصل،
بل أبصر فيها جوهر الهوية وروح الحضارة المتجددة. وفي فلسفته، لا تقف الكلمة عند حدود الحرف،
بل هي "حجر أساس" في بناء كيان الأمة،
والجملة البليغة عنده هي النبض الذي يضخ الحياة في عصب الفكر العربي.
يقول الرافعي في كتابه "أسرار البيان":
"من يفرط في البلاغة يفرط في العقل، ومن يضعف الكلمة يضعف الأمة كلها".
هذا الاقتباس يوضح فلسفة الرافعي
التي تجعل البلاغة محورًا أساسيًا للحفاظ على الفكر والهوية،
بحيث تصبح اللغة أداة لبناء عقل واعٍ وقلب متأثر.
معاركه ضد التبسيط والعامية:
حماية الوعي من التشتت
في زمن حاولت فيه دعوات التبسيط والعامية إنزال اللغة إلى مستوى السطحية الشعبوية،
وقف الرافعي كالجدار الصامد.
لم يكن دفاعه تمسكًا شكليًا بالقواعد،
بل كان حمايةً للنص من الابتذال الذي يفرغه من محتواه.
يقول الرافعي فى كتابه تاريخ آداب العرب
"لقد كتبت هذا الكتاب لأستعيد للقارئ مجد اللغة وبلاغتها،
ولأبيّن أن كل محاولة لتبسيط النصوص الأدبية دون فهم عمقها تهدم الذوق والفكر".
كما كان حذرًا من العامية في النصوص الأدبية والعلمية،
إذ رأى أنها قد تقطع صلة الإنسان بأصوله الثقافية واللغوية،
حيث يقول فى كتابه أسرار. البيان
"إن تسطح اللغة هو بداية انهيار الذوق والفكر، والابتعاد عن جمال البيان يؤدي إلى فقدان الهوية.
موقفه هنا يوضح أن العامية مقبولة في الحياة اليومية،
لكنها مرفوضة في النصوص الرسمية والأدبية؛ لأنها تضعف الهوية اللغوية وتفقد النص قوته وتأثيره.
دفاعه عن القرآن والبلاغة:
مركزية الإعجاز
آمن مصطفى صادق الرافعي بأن القرآن الكريم هو المعيار اللغوي الأسمى، وأن البلاغة ليست مجرد زينة لغوية،
بل قلب المعنى الذي يمنح النص قوته وتأثيره في القلوب والعقول.
وأن أي تسطيح للغة القرآن أو إغفال دقة التعبير
يفقد النص جوهره وروحه
.
يقول فى كتابه فى كتابه إعجاز القرآن والبلاغة النبوية:
"البلاغة جزء لا يتجزأ من المعنى،
وأي اختزال يفقد النص روحه".
كما يؤكد فى كتابه تحت راية القرآن
أن الحفاظ على لغة الوحي هو الحفاظ على قوة أثره في القلوب،
وكل تسطيح للغة القرآن يسلبه روحه.
أمثلة تطبيقية من القرآن وفق رؤية الرافعي:
الإعجاز الأسلوبي: قوله تعالى
"وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ".
يوضح الرافعي كيف أن تركيب الجملة واختيار الكلمات
يعكس قوة المعنى وقدرة النص على التأثير النفسي، بحيث يربط بين المعنى والبلاغة في صورة متكاملة.
الإعجاز البياني: قوله تعالى
"وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ".
يبرز هنا الرافعي أن اختيار الكلمات وصياغة الجملة لا يعبران فقط عن الحقيقة العلمية،
بل يربطانها بإيقاع لفظي ونفسي يثير التأمل،
وهو ما يميز القرآن عن أي نص بشري.
الإعجاز الأسلوبي القرآني في الحوارات: قوله تعالى
"قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا".
يظهر هنا الربط بين الجملة المختصرة والدلالة الكبيرة، وكيف أن التركيب اللغوي نفسه ينقل الإحساس بالغطرسة والتحدي،
مما يجعل البلاغة جزءًا من المعنى وليس مجرد زينات لفظية.
بهذه الطريقة يوضح الرافعي
أن البلاغة جزء لا يتجزأ من الإعجاز القرآني،
وأن أي تجاهل لها يعني فقدان النص لقدرته على التأثير النفسي والوجداني.
ويؤكد أن الحفاظ على لغة القرآن هو الحفاظ على قوة رسالته وخلود أثره في النفوس.
سياق الكفاح والدروس المستفادة
لم تكن مؤلفات الرافعي نتاج رفاهية،
بل كانت استجابة ضرورية لمواجهة موجات السطحية التي هددت الهوية.
إن رحلته تترك لنا دروسًا خالدة:
1- أن اللغة العربية هي خط الدفاع الأول عن وجود الأمة.
2- أن البلاغة أداة تمكين تربط العقل بالقلب وتمنح النص حياة أبدية.
3- أن رفض التسطيح والتبسيط المخل هو الضمان لبقاء نصوصنا صافية وقوية ومؤثرة.
4- مواجهة العامية في النصوص الأدبية والعلمية تحافظ على العمود الفقري للهوية الثقافية واللغوية.
خاتمة
علمنا الرافعي أن من يحمي اللغة إنما يحمي كيان الأمة بأكمله.
سيظل كل نص صاغه بدقة وبلاغة إسهامًا حيًا في بناء عقل الأجيال، وشهادة على أن الكلمة البليغة وحدها القادرة على
البقاء والتأثير.
الرافعي يثبت أن العبقرية ليست ثمرة شهادة،
بل ثمرة عقل يقظ وقلب واعٍ وتجربة شخصية مستثمرة بحكمة.

تعليقات
إرسال تعليق