بقلم/ أيمن بحر
ما جرى فى مدينة مينيابوليس لم يكن حادثة أمنية عابرة ولا خطأ فرديا يمكن احتواؤه ببيان رسمى بل لحظة كاشفة لانكسار عميق داخل بنية الدولة الأمريكية حين خرجت مظاهرات احتجاجا على عنف شرطة الهجرة تضامنا مع مواطنة أمريكية قتلت داخل سيارتها ثم تحولت الأحداث إلى مشهد أكثر قتامة عندما تدخل مواطن أمريكي للدفاع عن سيدة لا تحمل الجنسية ليجد نفسه فى مواجهة مباشرة مع عناصر فيدرالية تنتهى خلال ثوان بإطلاق نار يودى بحياته
المفاجأة التي قلبت المشهد رأسا على عقب أن القتيل مواطن أمريكى بلا سوابق لم يرفع سلاحه ولم يهدد أحدا وكان يعمل ممرضا في العناية المركزة وهى تفاصيل أسقطت الرواية الأمنية منذ اللحظة الأولى ودفعت الرأى العام إلى التشكيك فى كل ما قيل لاحقا
خطورة الحادثة لا تكمن فقط فى نتيجتها بل فى كسرها لثلاثة محرمات دفعة واحدة الأول أن الضحية أمريكي ما أنهى خطاب تبرير العنف تحت لافتة الهجرة غير الشرعية والثانى أن الجهة المنفذة قوة فيدرالية لا تخضع لحاكم ولاية ولا لعمدة مدينة ولا لشرطة محلية ما فتح بابا واسعا للحديث عن سلطة بلا رقابة والثالث أن الواقعة حدثت أمام مظاهرة وعدسات إعلام ما جعل من المستحيل دفن القصة أو إعادة صياغتها بما يخدم السلطة
هنا لم تعد المسألة احتجاجا تقليديا فالشارع الأمريكي يعرف الاحتجاج ويحتمل الغضب لكنه يتغير تماما حين يتحول الغضب إلى عصيان مدني حين أغلقت محلات وتوقفت شركات وامتنع موظفون عن العمل لتصاب المدينة بشلل جزئي في رسالة واضحة مفادها أن النظام لم يعد يحمي الناس بل بات يهدد حياتهم وأرزاقهم
التصعيد انتقل سريعا إلى مستوى سياسي مكشوف حيث دافع ترامب علنا عن شرطة الهجرة واتهم السلطات المحلية بالتمرد محملا الحاكم والعمدة مسؤولية الفوضى بينما رد حاكم مينيسوتا الديمقراطي باستدعاء الحرس الوطني متهما القوات الفيدرالية بإشعال الأزمة ثم الانسحاب منها وفي الوقت نفسه بدأت وسائل الإعلام الكبرى التي طالما دعمت الخطاب الرسمي تتراجع خطوة إلى الخلف لتطرح أسئلة محرجة حول أداء شرطة الهجرة وأخطائها
التحول الأخطر جاء من داخل أروقة السياسة نفسها حين لوح الديمقراطيون برفض تمرير الميزانية إذا تضمنت تمويلا لوزارة الأمن الداخلي المسؤولة عن شرطة الهجرة في جلسة حاسمة لا تملك ترف الوقت ما يفتح الباب أمام احتمال إغلاق الحكومة الأمريكية بكل ما يحمله ذلك من تداعيات سياسية واقتصادية وانتخابية
في مثل هذه اللحظات يقدم التاريخ درسه القديم حين تعجز السلطة عن السيطرة على الداخل تبحث عن عدو خارجي لا بدافع الحرب بل لتغيير العناوين وتوحيد الصف وإسكات الشارع وإعادة إنتاج صورة الزعيم الحامي وهنا يظهر اسم إيران لا كقرار نهائي بل كخيار مطروح على الطاولة ضمن لعبة الهروب إلى الأمام
الدروس المستخلصة من المشهد واضحة أولها أن الرواية الأمنية تكتب دائما لحماية السلطة لا لكشف الحقيقة وثانيها أن أي قوة بلا رقابة تتحول إلى خطر اجتماعي وثالثها أن الاقتصاد هو السلاح الحقيقي للشعوب ورابعها أن تغير نبرة الإعلام مؤشر لا يخطئ على تغير موازين القوة وخامسها أن تصدير الأزمات إلى الخارج سياسة قديمة وسادسها أن ما يهز أمريكا لا يبقى داخل حدودها بل يرتد على العالم كله
الخلاصة أن ما بدأ كحادثة في شارع تحول إلى أزمة ثقة وصدام سياسي وتهديد مباشر للميزانية واحتمال تصعيد خارجي ومن يقرأ المشهد بسطحية سيفوته جوهر اللعبة فالقادم أخطر وأكبر وأبعد بكثير من مينيابوليس

تعليقات
إرسال تعليق