القائمة الرئيسية

الصفحات

التردي والبيئة الخصبة لإنتاج همجية عصرية



                الممر الثامن والتسعون


                       بقلم / محمد جابر


الخوف واليأس هما الأرض الخصبة التي تزرع فيها الأزمات.. وبيئة تكوينات غير شرعية.. تدار في الظلام... وحين يتحول الممر من راعى للعدالة إلى مدير للأزمات... يصبح الخوف أداة للسيطرة ويتحول اليأس إلى وسيلة ضبط اجتماعى.. مما يؤدي إلي انهيار السياق الثقافي للممر....يتبعه ضبابية سياسية ...


على أعتاب هذا الممر أثقلت خطاي لأن ما سأبوح به لن يرضي البعض.... فحين يهيمن اليأس.... لا تخرج الأفكار بطبيعتها ..بل تولد قبل ميعادها مشوهة....تحمل انعدام الرؤية.. وعقل يرفض إدراك ما يحاك خلف الستار... وهو ما رأيناه بوضوح حين جرى تسويق سياسات التقشف باعتبارها قدر لا نقاش فيه وحين قيل إن الفقر مرحلة مؤقتة بينما صار اسلوب حياة وحين تحولت المعاناة ذاتها هي التي تطالب بالصبر لا بالحقوق.


حين يتعثر الاقتصاد وتتراجع السياسة عن مسارها وتنكمش الثقافة وتتحول منصاتها إلى أدوات تغريب وتغييب وحين نرى تحجيم الإعلام عن دوره الرقابي وتحويله إلى منابر تبرير وحين يتراجع المسرح والكتاب لصالح سرد استهلاكي سطحي هنا يتسلل إلى العقول خطاب زائف يقدم نفسه باعتباره الحقيقة المطلقة في ثنائيات حادة الحق والباطل... الخلاص والهلاك ..الاستقرار والفوضى.... الوطنية والخيانة.....القيمة واللاقيمة...الحلال والحرام...... فيصبح الاختلاف جريمة والسؤال تهديد ويغدو البحث عن وعي حقيقي فعل مقاومة تستحق العناء.


يحمل هذا الممر... بيئة تعيد إنتاج التاريخ بالأزمات ذاتها... الفقر... والهيمنة...وانكفاء النخب.... وهو ما عرفته مجتمعاتنا في لحظات الاستعمار وما بعده ...حين تراجع التعليم... وضعفت العدالة الاجتماعية...وظهرت حركات قدمت نفسها بوصفها الخلاص. لم تكن تلك الأفكار مجرد اجتهادات فكرية.. بل استجابات نفسية واجتماعية لواقع مأزوم... استثمر الغضب واليأس للتعبئة والتبعية ....وحول الدين والهوية إلى أدوات تنظيمية... وهو ما نشهده في نماذج إقليمية تحولت فيها الشعارات إلى سلطات بديلة تنازع الاختصاص ثم إلى أدوات قمع أشد قسوة من الواقع الذي ثارت عليه وظهرت تقسيمات تخدم قوى خفية تشعل نارها كلما خمد حريقها


نجد تكرار الأنماط ذاتها بوجوه مختلفة. فاستدعاء الماضي ومقارنته بالحاضر ليس محض صدفة... بل ناقوس خطر يدق فوق رؤوس من يملكون القرار والرسالة.هنا يطلقها الممر هل حين يعاد إنتاج الخطاب ذاته مع اختلاف اللغة.. وحين تقدم المركزية المفرطة بوصفها ضرورة أمنية.. وحين يتم تهميش السياسة لصالح الإدارة... وحين تختزل الممرات في أرقام ومؤشرات لا في بشر...هكذا فإن ...إذا تساوت المدخلات لا يمكن انتظار اختلاف المخرجات.


عند محاولة استكمال الممر عبر بواباته الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية تحولت بعض التوازنات إلى سيطرة مكتملة... فغابت المساءلة واختلطت القيم بالمفاهيم والاستقلال بالهيمنة.. والتفاهم بالصراع. فتحولت رحلة الوعي إلى معركة وعي مستمرة داخل حلبة تدار بالقوة والدهاء بينما يظل العقل الواعي يصارع واقع مزيف مأزوم ويذاد بأعداء وهميين تشكلهم شبكة عنكبوتية تحجب عنه الأسئلة الحقيقية.


يعيش الممر اقتصاد متدهور خانق تتجلى ملامحه في اتساع رقعة الفقر.. وتآكل الطبقة الوسطى.. واتساع الفجوة الاجتماعية بصورة باتت مرئية في التعليم والصحة والسكن. كما أن الأفق السياسي مغلق.. مع عزوف النخب عن أداء دورها القيادي. وفي هذه البيئة تنتشر أفكار بيروقراطية تخدم رأسمالية سياسية حيث تتحول الخبرة إلى سلعة وتقدم السياسات بوصفها إنتاج فني لا قرار سياسي كما حدث في تجارب عالمية فرضت فيها سياسات أفقرت الشعوب وأغنت الأسواق.


ما يحتاجه هذا الممر ليس استدعاء أفكار للخلاص بل استعادة العقل الواعي وبناء سياسة عادلة تعيد الاعتبار للمشاركة وثقافة حية تنتج معنى يحترم ذاته قبل العقول واقتصاد يرد للإنسان كرامته قبل أن يطالبه بالصبر... فالممر لا يعيش صراع إداري فحسب بل صراع معنى ...معنى العدالة الاجتماعية لا القانونية ...ومعنى السيادة التي تحمي الإنسان لا التي تقيده...ومعنى الإنسانية التي ترى المواطن غاية لا وسيلة.


الخروج من هذا الممر لا يكون بالقوة ولا بمراكمة الخوف بل بوعي رصين يرفض شرعنة التوحش الرأسمالي ويستعيد التوازن بين الخفي والظاهر. لأن ما لا يدار بشفافية يظل قابع في الظل وكل تأخير في معالجة أزمات الممر يعيد إنتاج أدواتها بأشكال مختلفة ويبقي الثمن مدفوع من أعمار الشعوب لا من حسابات البنوك من صحة الناس لا من رفاة الأسواق . ومن المستقبل لا من الماضي.

تعليقات