القائمة الرئيسية

الصفحات

وشاح أبيض

في فجرٍ شتويٍّ قارس، استيقظتُ على بردٍ غير مألوف، كأن شيئًا ما يلحّ عليّ أن أنهض من دفء الغطاء. فتحتُ النافذة، فإذا بالطرقات والأشجار مكسوّة بوشاح أبيض لم تعرفه عيوننا من قبل. كان المشهد مهيبًا، كأنه طقس تطهّر سماوي، والهواء يلسع وجهي ببرودته، لكنه يملأ صدري بانتعاش غريب. ناديتُ أخواتي، وخرجنا إلى الباحة نحدّق بدهشة لا تشبه أي صباحٍ آخر، كأننا أمام لوحة لم يرسمها بشر.
      بينما كنا نغمر أنفسنا بالفرح، جاء صوت أمّي يحذّرنا: «لا تتأخرن، الطريق قد يكون خطرًا.» تسلّل الخوف إلى قلبي، وترددت: هل نغامر بالذهاب إلى المدرسة وسط هذا البياض المجهول، أم نعود أدراجنا ونترك الفرح خلفنا؟ كان القرار صعبًا، فبين رغبة الطفولة في اللعب، وحرص الأم على السلامة، وجدنا أنفسنا أمام أول اختبار حقيقي مع الثلج.
      قررنا المضيّ قدمًا. كنا نسير بحذر، ننزلق أحيانًا ونضحك أحيانًا أخرى. تحوّل الخوف إلى تحدٍّ صامت: أن نصل دون أن نسقط، أن نكمل الطريق رغم البرد والمجهول. قالت أختي الكبرى وهي تشدّ معطفها: «لنمشي ببطء… لا نريد أن نفشل في أول اختبار للثلج.» هززتُ رأسي موافقة، لكن قلبي كان يخفق بين القلق والفرح. كان الطريق أشبه بمغامرة صغيرة، كل خطوة تحمل احتمال الانزلاق، وكل ضحكة تخفف من ثقل البرد.
     عند بوابة المدرسة، رأينا زملاءنا يضحكون ويتزحلقون ويصنعون رجالًا من الثلج. تلاشى خوفي فجأة، وشعرتُ أن تردّدي كان وهمًا. اقتربتُ من صديقتي وقلتُ: «كاد الخوف يمنعني من المجيء.» ابتسمت وقالت: «لو انتظرنا دائمًا الطمأنينة، لفاتنا الكثير من الفرح.» كانت كلماتها بسيطة، لكنها اخترقت قلبي كدرسٍ مبكر عن معنى الجرأة.
     شاركناهم اللعب، ورمينا كرات الثلج، وركضنا بين الساحة البيضاء، حتى نسينا البرد والخوف. لكن كلماتها بقيت ترنّ في داخلي. أدركتُ أن الصراع لم يكن مع الطريق الزلِق، بل مع خوفي من المفاجآت. ومع مرور الأعوام، غابت تلك الزيارات البيضاء، لكن بقي أثرها: أن أجمل ما في الحياة هو ما يفاجئنا… حين نجرؤ على السير رغم الخوف.
    ومع كل شتاء يمرّ، كنتُ أبحث بعيني عن ذلك البياض الذي غيّر شيئًا في داخلي. لم يعد الثلج مجرد حدثٍ عابر، بل صار رمزًا للفرص التي تأتي بلا موعد، وللأحلام التي تطرق أبوابنا فجأة. تعلمتُ أن بعض الطرق لا تُخاض بثقةٍ كاملة، وبعض الأفراح لا تأتي وفق توقيتنا، وأن أجمل ما في الحياة هو ما يعلّمنا أن نضحك ونحن نتزلّج على المجهول، ونمشي بخطوات مرتجفة نحو الفرح.

قلم الأستاذة خديجة آلاء شريف 
الجزائر 
يوم :25/01/2026

تعليقات