بقلم :الدكتورة عطيات. صبحي
سؤال فلسفي… وإشكالية واقعية في جودة الرعاية الصحية
من زمان والسؤال مطروح:
البيضة ولا الفرخة… مين بدأ الأول؟
سؤال يبدو بسيطًا وفكاهى ، لكنه يحمل في جوهره نفس الإشكالية التي نعيشها يوميًا في مجال جودة الرعاية الصحية:
هل نبدأ بثقافة الجودة عند القادة والعاملين،
أم نبدأ بتأسيس نظام جودة، وتشكيل فريق، ووضع سياسات، والسعي للاعتماد؟
وأي طريق منهما يضمن نتائج حقيقية،
ويصنع نظامًا مستدامًا،
ويُحسّن فعلًا تجربة المريض؟
الطريق الأول: الثقافة قبل النظام
حين نبدأ بثقافة الجودة، فنحن نراهن على الإنسان قبل الورق.
نراهن على أن القناعة تسبق الإجراء،
وأن السلوك يسبق السياسة.
في هذا النموذج:
تصبح الجودة قيمة لا عبئًا.
وتتحول السياسات من تعليمات إلى اقتناع داخلي.
ويتحول فريق الجودة من جهة رقابية إلى شريك تطوير.
والأهم…
ينعكس ذلك مباشرة على تجربة المريض:
في احترامه، في أمانه، في طريقة التعامل معه، وفي شعوره أن المؤسسة تراه إنسانًا لا رقمًا.
لكن هذا الطريق، رغم عمقه، يحتاج:
زمنًا، وصبرًا، وقيادة واعية قادرة على إحداث تغيير ثقافي حقيقي،
وهو ما لا يتوفر دائمًا في كل المؤسسات.
الطريق الثاني: النظام قبل الثقافة
الطريق الأكثر شيوعًا في واقعنا:
نبدأ بتشكيل فريق جودة،
نضع السياسات،
ننظم الملفات،
ونسعى للاعتماد.
نتائج سريعة، ملموسة، واضحة على الورق.
لكن الخطر هنا أن تتحول الجودة إلى مشروع شكلي:
اعتماد بلا تغيير،
وشهادة بلا أثر،
ونظام يعيش في الأدراج أكثر مما يعيش في الممارسة.
فتتحسن الصورة المؤسسية،
بينما لا يشعر المريض بفرق حقيقي.
إذن… من بدأ أولًا؟
الحقيقة التي يتجنبها البعض أحيانًا:
في عالم الجودة، البيضة والفرخة يجب أن يأتيا معًا.
لا ثقافة بدون نظام يحميها،
ولا نظام بدون ثقافة تحييه.
لكن الترتيب الذكي هو:
قيادة مؤمنة بالجودة،
يتبعها نظام قوي،
ثم نشر واعٍ للثقافة،
حتى يصبح النظام جزءًا من الهوية المؤسسية.
هنا فقط نصنع جودة مستدامة، لا موسمية.
#الدور المحوري والقيادى لهيئة الاعتماد والرقابة الصحية
وسط هذا الجدل، يبرز دور هيئة الاعتماد والرقابة الصحية كعنصر حاسم في المعادلة،
ليس كجهة مانحة لشهادة،
بل كـ صانع اتجاه لمنظومة الرعاية الصحية في مصر.
فالهيئة لم تضع معايير فحسب،
بل رسمت خارطة طريق واضحة لما يجب أن تكون عليه المؤسسة الصحية الحديثة.
معايير:
مستندة إلى أفضل الممارسات العالمية،
وفي الوقت نفسه ملائمة تمامًا للواقع المصري،
تراعي الإمكانيات، والتحديات، والثقافة التنظيمية، وطبيعة النظام الصحي.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية:
المعايير لم تُصَغ لتُعرض…
بل لتُطبَّق.
#كيف غيّرت الهيئة مفهوم الجودة؟
قبل وجود منظومة الاعتماد الوطنية،
كانت الجودة في كثير من المؤسسات:
اجتهادات فردية،
ومبادرات مؤقتة،
ومشروعات تنتهي برحيل أصحابها.
أما اليوم، فقد أصبحت:
الجودة مسار دولة لا اجتهاد مؤسسة.
والاعتماد بداية رحلة لا نهايتها.
وتجربة المريض مؤشرًا وطنيًا لا رفاهية إدارية.
أعادت الهيئة تعريف القيادة الصحية:
فالقيادة لم تعد فقط من يُدير الأزمات،
بل من يبني نظامًا يمنع الأزمات من الأساس.
المعايير… حين تتحول من أوراق إلى بوصلة
حين تلتزم المؤسسات بمعايير الهيئة التزامًا حقيقيًا،
لا شكليًا ولا موسميًا،
تحدث التحولات الكبرى:
تتحول الجودة من “ملف إدارة” إلى ثقافة مؤسسة.
ويتحول الاعتماد من “هدف” إلى أسلوب عمل.
وتتحول تجربة المريض من نتيجة عشوائية إلى نتاج طبيعي لنظام منضبط.
ومن هنا يمكن القول بثقة مهنية:
أي مؤسسة تطبق هذه المعايير حرفيًا في الممارسة، لا في الملفات،
ستحقق بالضرورة:
أعلى معدلات أمان،
وأقوى استدامة في الأداء،
وأفضل تجربة ممكنة للمريض والمنتفعين.
#رسالة اليوم💌
السؤال الحقيقي ليس:
البيضة أم الفرخة او بمن نبدا اولاً؟
بل السؤال الأهم:
بماذا نؤمن ؟ وماذا نستهدف؟
هل نريد جودة على الورق… أم جودة في الواقع؟
الجودة الحقيقية:
تبدأ بفكر،
وتُترجم بنظام،
وتستمر بثقافة،
وتنجح بقيادة واعية،
وتُضبط بمعايير وطنية قوية وضعتها هيئة تعرف جيدًا ماذا تريد لمستقبل الرعاية الصحية في مصر.
وعندها فقط،
لا يعود السؤال: من بدأ أولًا؟
بل يصبح السؤال الأهم:
إلى أي مدى نحن جادون في أن نستمر؟

تعليقات
إرسال تعليق