القائمة الرئيسية

الصفحات

نبيل أبوالياسين: صرخة أممية لعزل ترامب ومحاكمته.. وسقوط الحصانة الأخلاقية لواشنطن










الإخبارية نيوز : 

في غرفة طوارئ النظام الدولي، يدق ستة عشر خبيراً أممياً ناقوس الخطر الأقصى. إنها ليست مجرد إدانة، بل صرخة مدوية تطالب بما كان مستحيلاً بالأمس: عزل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب، ومحاكمته دولياً. السبب؟ عملية عسكرية همجية حولت سماء فنزويلا إلى جحيم، وانتهت باختطاف رئيسها الشرعي وزوجته، في مشهد يعيد العالم إلى عصور القرصنة والاستعمار العاري. هذه ليست لحظة عابرة في السياسة؛ إنها زلزال يهز أركان ميثاق الأمم المتحدة، ويكشف النوايا الحقيقية لسيطرة تبحث عن نفط، ليس أكثر. العالم يشهد اليوم لحظة مفصلية: إما خضوع القوة للقانون، أو تحويل النظام العالمي إلى غابة حيث "البقاء للأقوى". تلك الصرخة من جنيف ليست ضد ترامب وحده، بل هي اختبار مصيري لضمير الإنسانية وسيادة القانون فوق رؤوس الجميع.


النداء الأممي: بين المطرقة القانونية وسندان العزل

لم تكن اللغة الدبلوماسية المعتادة حاضرة في بيان خبراء الأمم المتحدة الستة عشر. كانت لغتهم هي لغة القضاء الدولي في أوضح صورها: "جريمة عدوان دولية". بقيادة المقرر الخاص "بن سول"، طالب الخبراء بشكل غير مسبوق بإقالة الرئيس ترامب وإخضاعه للتحقيق الجنائي بتهمة "القتل المزعوم" للمدنيين أثناء عملية الاختطاف الجريئة. وصفوا أفعال واشنطن بأنها "سابقة خطيرة" تهدد بزعزعة استقرار العالم كله، مؤكدين أن المبررات الأمريكية ليست سوى "ذرائع واهية" لإخفاء انتهاك صارخ للحق في الحياة والسيادة. هذا النداء لم يعد مجرد بيان إعلامي؛ إنه وثيقة اتهام تاريخية، تضع الرئيس الأمريكي في قفص الاتهام العالمي، وتطالب بمحاسبته كأي فرد آخر، مهما علت منزلته.


الجرائم القانونية: عندما تنتهك أمريكا الميثاق الذي أسسته

من الناحية القانونية، تشكل العملية الأمريكية سجلاً حافلاً بالجرائم الدولية. أولاً، انتهاك صريح للمادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية لأي دولة. ثانياً، انتهاك مبدأ "الحصانة الشخصية المطلقة" لرؤساء الدول، وهو مبدأ أكدته محكمة العدل الدولية عام 2002، مما يعني أن اختطاف مادورو هو اعتداء على سيادة فنزويلا ككل. ثالثاً، تصنيف الفعل كـ "جريمة عدوان" بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. هذه الانتهاكات لا تترك مجالاً للشك: لقد تجاوزت واشنطن الخط الأحمر، ووضعت نفسها في موضع الدولة المنبوذة التي ترفض القواعد التي ساهمت في صياغتها، مما يفتح الباب أمام عقوبات دولية جسيمة، بدءاً من المسؤولية عن جبر الضرر ووصولاً إلى عقوبات مجلس الأمن بموجب الفصل السابع.


ردود الفعل العالمية: الفاتيكان يدين و"نتنياهو" يهنئ!

كشفت الأزمة انقساماً أخلاقياً عالمياً حاداً. من جهة، وقف الفاتيكان بقيادة البابا ليو الرابع عشر إلى جانب سيادة الشعوب، داعياً إلى حماية السيادة الفنزويلية ورفض منطق العنف. ومن جهة أخرى، قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو – وهو نفسه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية – تهانيه "الحارة" لترامب على "العملية المثالية"، في مشهد يلخص تحالف القوى التي تتجاوز القانون. هذا الانقسام يضع المجتمع الدولي أمام مرآته: إما الوقوف مع مبادئ العدالة والسيادة التي قام عليها نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، أو الرضوخ لمنطق القوة والمصالح الضيقة الذي يهدد بإعادة العالم إلى حقبة الاستعمار والصراعات اللامتناهية.


حصانة ترامب في الميزان: بين الكونغرس والمحكمة الجنائية

يوجه النداء الأممي ضربتين متلازمتين: دولية وداخلية. على الصعيد الدولي، يطالب بتحريك آلية المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة ترامب وقادته العسكريين بتهمة "العدوان"، حيث أن الحصانة المحلية لا تسقط المسؤولية الجنائية الدولية. أما الضربة الأقسى فتكمن في الداخل الأمريكي، حيث يطالب المقررون الخاصون الكونغرس بتنفيذ آلية "العزل" (اتهام) بسبب شن حرب غير مشروعة وانتهاك الدستور، مما قد يؤدي إلى محاكمة ترامب بتهمة الخيانة العظمى. وبينما تخسر أمريكا حصانتها الأخلاقية والقانونية أمام العالم، قد يجد ترامب نفسه بلا حصانة في وطنه أيضاً، في سيناريو لم يكن في الحسبان. ووراء هذه الجدران القانونية السميكة، يطل وجه السؤال الأخلاقي الأكبر الذي لا ينكره ميثاق ولا يحجبه فيتو.

 

من دماء غزة إلى قيود كاراكاس: السقوط الأخلاقي والانتفاضة الأممية الأخيرة

وهكذا يجد ترامب نفسه في مواجهة لا تُحسد عليها. وكما بدأت معاناة الشعوب بدماء غزة التي لم تجد من ينقذها، تصل اليوم إلى قيود كاراكاس: السقوط الأخلاقي والانتفاضة الأممية الأخيرة. عاش العالم في صدمة عارمة وهو يراقب عجز المنظومة الدولية أمام أبشع جريمة إبادة وتجويع شهدها العصر الحديث في غزة، حيث وقفت واشنطن منفردة بسلاح "الفيتو" لتصفع إرادة كافة أعضاء الأمم المتحدة، مجهضةً كل مساعي وقف شلال الدم. واليوم، يتجدد هذا المشهد العبثي باختطاف رئيس دولة ذات سيادة من قلب حصانته، ليُعرض في شوارع أمريكا بمشهد مهين يفتقر لأدنى معايير الكرامة الإنسانية، بينما يتبجح ترامب ببطولة زائفة لطخت جبين الأمة الأمريكية بعارٍ سيلاحقها لعقود. وبينما خذل مجلس الأمن الشعوب مجدداً وفشل في حفظ آخر ذرة من كرامته، جاء الرد التاريخي من خبراء الأمم المتحدة الذين طالبوا بعزل ترامب ومحاكمته؛ ليعيدوا بهذا الموقف الشجاع بصيص الأمل للمنظمات الحقوقية وأحرار العالم. إن هذا التحرك الأممي ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو "انتفاضة ضمير" تسعى لترميم ما هدمته "البلطجة السياسية"، وتؤكد للشعوب التي لا تزال في ذهولها أن زمن الاستباحة الأمريكية المطلقة قد بدأ يواجه مقاومة قانونية شرسة لن تستكين حتى يُحاسب الجناة.


وختامًا: ها هو ذا برقُ العدالةِ يَلْمَعُ في سماء النظام العالمي، والرعد القادم هو دوي انهيار شرعية القوة العظمى. لم تعد أمريكا التي خططت لميثاق الأمم المتحدة هي نفسها؛ لقد تحولت إلى قرصان يخطف الرؤساء ويستبيح السيادات بحثاً عن الذهب الأسود. صرخة الخبراء الستة عشر ليست مجرد إدانة؛ إنها نعي لحقبة الهيمنة الأحادية، وبوابة عبور نحو عالم أكثر عدالة، حيث تسقط الأقنعة وتُحاسب الجبابرة. إذا صمت العالم اليوم على اختطاف مادورو، فمن سيكون الغد؟ إنها معركة الوجود بين منطق الغابة ومنطق المجتمع. لقد خسرت واشنطن حصانتها الدولية، وها هو ترامب يواجه مصيره بين مطرقة العدالة الدولية وسندان الغضب الداخلي. التاريخ يسجل الآن: إما أن ينحني النظام العالمي لعدالة تعلو على الجميع، أو ينكسر إلى أبد الآبدين. الخيار بين أيدينا جميعاً، والصمت أصبح تواطؤاً.

تعليقات