بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي
عندما تنفجر شرارة نزاع إقليمي في مكان ما من العالم، لم تعد الأمور تُحسم بين الأطراف الوطنية وحدها، بل سرعان ما تتحول الساحة إلى لوحة شطرنج عالمية، تتحرك عليها قطع القوى الكبرى بألوانها ومصالحها المتشابكة هذا هو المشهد المهيمن في النزاعات المعقدة التي مزقت سوريا واليمن وأجزاء واسعة من القارة الأفريقية، حيث لم يعد الصراع مجرد صدام بين حكومة ومعارضة أو قبائل متناحرة، بل تحول إلى حرب بالوكالة تتقاطع فيها استراتيجيات القوى العظمى والإقليمية، وتذوب فيه الحدود بين الداخل والخارج، بين الوطني والعالمي إنها ظاهرة تكشف كيف أن السيادة الوطنية في عالم اليوم أصبحت مفهومًا هشاً وقابلاً للاختراق، وكيف أن معاناة المدنيين على الأرض تتحول إلى عملة تفاوض في صفقات كبرى تجري في العواصم البعيدة ففي سوريا، لم يعد المشهد مجرد انتفاضة شعبية ضد نظام استبدادي، بل تحول إلى ملحمة جيوسياسية متعددة الأبعاد روسيا تدخلت عسكرياً بشكل مباشر لحماية نظام حليف واستعادة نفوذها في المتوسط، وإيران نشرت شبكة من الميليشيات لضمان ممر استراتيجي إلى البحر، وتركيا اجتازت الحدود لمواجهة الأكراد و"تأمين حدودها"، والولايات المتحدة دعمت فصائل معينة ثم تراجعت، بينما تحوم إسرائيل في الأجواء لضرب مواقع إيرانية كل هذا يجري على الأرض السورية، لكن القرارات الحقيقية تتخذ في موسكو وطهران وأنقرة وواشنطن الشعب السوري تحول إلى رهين في هذه المعادلة، حيث استُخدمت المعونات الإنسانية وحتى المساحات الجغرافية كأوراق ضغط، وأصبحت مصائر المدن والمحافظات تُقرر وفق حسابات النفوذ الإقليمي وليس حاجات الناس والنتيجة هي دمار هائل وتشريد غير مسبوق، بينما تتصارع القوى الخارجية على تقاسم مناطق النفوذ فوق الأنقاض.
وفي اليمن، نرى نموذجاً آخر لتدخل إقليمي مباشر تحول إلى مأساة إنسانية فالمملكة العربية السعودية، على رأس تحالف عربي، تدخلت عسكرياً منذ 2015 لمواجهة الحوثيين المدعومين من إيران، في محاولة لوقف ما تراه تمدداً إيرانياً على حدودها الجنوبية لكن هذا التدخل، المدعوم لوجستياً واستخباراتياً من قبل قوى غربية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، تحول إلى حرب طاحنة خانقة الحصار الجوي والبري والحروب الاقتصادية حولت اليمن إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم، حيث يعاني الملايين من المجاعة والأمراض، بينما تتحول البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الرياض وطهران الأطراف اليمنية المحلية، رغم جذور صراعهم العميقة، وجدوا أنفسهم في كثير من الأحيان مجرد أدوات في هذه المعركة الأكبر، حيث يتقلب تحالف القوى الخارجية مع تقلبات المصالح، وتُستخدم المعارك المحلية لتقدم أو تأخير المفاوضات بين العواصم الكبرى التدخل هنا لم يأتِ لإنهاء المعاناة، بل لخدمة أهداف أمنية إقليمية، وغالباً ما تفاقم المعاناة وجعل الحل السياسي أكثر بعداً.
وفي أفريقيا، تتعدد النماذج بشكل لافت ففي الساحل الأفريقي، تتدخل فرنسا ثم تحل محلها روسيا عبر مجموعة فأنغر، رسمياً لمحاربة الجماعات الإرهابية، ولكن في الواقع لتأمين الموارد الطبيعية (مثل الذهب واليورانيوم) ونشر النفوذ وفي القرن الأفريقي، تتنافس الصين (من خلال استثمارات البنى التحتية وميناء جيبوتي)، والولايات المتحدة (من خلال قاعدتها العسكرية في جيبوتي لمحاربة الإرهاب)، وتركيا وقطر والإمارات، كل منها يدعم أطرافاً مختلفة في الصراعات الداخلية في الصومال وإثيوبيا وإريتريا هذه التدخلات، التي غالباً ما تأتي تحت غطاء مساعدات تنموية أو تعاون أمني، تعيد إنتاج التبعية القديمة بأشكال جديدة فالقوى الكبرى تدعم النخب الحاكمة أو الجماعات المتمردة التي تخدم مصالحها، مما يطيل أمد الصراعات ويعيق بناء مؤسسات وطنية مستقلة المواطن الأفريقي يدفع الثمن استنزاف لثرواته، وتدهور لأمنه، وتمزق لأنسجته الاجتماعية.
التدخل الخارجي في النزاعات الإقليمية لم يعد استثناءً، بل أصبح قاعدة في نظام دولي تسوده الفوضى والتنافس إنه يحول الصراعات المحلية إلى حروب لا يمكن حسمها عسكرياً، لأن كل انتصار لأحد الأطراف المحليين يهدد مصالح قوة خلفه، فتتدخل لقلب الموازين الحلول السياسية تصبح مستحيلة لأنها تتطلب أولاً اتفاقاً بين الأوصياء الخارجيين المتنازعين، وهو اتفاق غالباً ما يكون صعباً مبدأ "سيادة الدولة" و"حل النزاعات بالطرق السلمية" الذي تنص عليه ميثاق الأمم المتحدة يتحول إلى مجرد شعارات في وثائق، بينما على الأرض تسود لغة القوة والنفوذ السؤال المركزي الذي تطرحه هذه النماذج هو هل يمكن بناء نظام دولي يحترم حق الشعوب في تقرير مصيرها دون وصاية خارجية؟ أم أننا دخلنا عصراً جديداً من الإمبراطوريات غير المعلنة، حيث تُدار النزاعات المحلية من خلال بر وكسيات عسكرية وسياسية بعيدة، وتُقاس المعاناة الإنسانية بأرقام في تقارير لا تغير من واقع الهيمنة شيء؟

تعليقات
إرسال تعليق