القائمة الرئيسية

الصفحات

حكاية عقد من مشاركات الأزهر في معرض الكتاب


كتب - محمود الهندي 


على مدى عشرة أعوامٍ متتالية، لم تكن مشاركة الأزهر الشريف في معرض القاهرة الدولي للكتاب مجرد حضورٍ مؤسسي، بل تحوَّلت إلى حكاية ثقافية ممتدة، تروي فصولها عامًا بعد عام، وتؤكد أن الأزهر ـ بتاريخه الذي تجاوز الألف عام من العلم والقراءة وصناعة الوعي ـ يعرف كيف يخاطب الحاضر وهو ممسكٌ بجذور الماضي . 


منذ النسخة الثامنة والأربعين عام 2017، سجَّل الأزهر بداية قوية، بحضورٍ لافتٍ وجناحٍ حمل ملامح المؤسسة العريقة، ليؤكد منذ اللحظة الأولى أنه قادم إلى المعرض فاعلًا في المشهد الثقافي، لا ضيفًا عابرًا، وشكلت إصداراته ثراء معرفيا أنار الفهم والوعي، ومع الأيام الأولى لتلك المشاركة، اتخذ الجمهور جناح الأزهر قبلةً يقصدها المثقفون وطلاب العلم والباحثون عن خطابٍ دينيٍّ رشيد، يجمع بين الأصالة والمعاصرة . 


وفي النسخة التاسعة والأربعين عام 2018، حمل الجناح دلالاتٍ خاصة، باختيار الشيخ مصطفى عبد الرازق شخصيةً للجناح، للتعريف بسيرته والتأكيد على أن علماء الأزهر الراحلين حاضرون بعلمهم وعطائهم، وفي العام ذاته، خُصص ركنٌ للقدس للتعريف بالقضية الفلسطينية، ليؤكد الأزهر انحيازه الدائم لقضايا الأمة وللإنسانية، وربط الثقافة بالمسؤولية الأخلاقية والتاريخية . 


وجاءت النسخة الخمسون عام 2019 لتشهد محطةً فارقة، باختيار الشيخ محمود شلتوت شخصيةً للجناح، ومع تفقد فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، لجناح الأزهر، وما صاحب ذلك من توجيهاتٍ واضحة بمزيدٍ من التواصل والحوار مع الجمهور؛ رسالةً عميقة مفادها أن العلم لا يكتمل إلا بالإنصات، وأن الخطاب الديني الحي هو القادر على بناء الجسور، وقد حملت تلك الدورة اسم الشيخ محمود شلتوت، أحد رموز التجديد الفقهي والفكري . 


وفي عام 2020، النسخة الحادية والخمسون، بدأ التطور الهائل في أركان الجناح وتنظيمه وأنشطته، واختير الشيخ محمد متولي الشعراوي شخصيةً للجناح، ليجتمع العمق العلمي مع الخطاب الوعظي القريب من الناس، في صورةٍ جسدت فلسفة الأزهر في مخاطبة العقول والقلوب معًا . 


أما النسخة الثانية والخمسون عام 2021، فقد سجلت إقبالًا جماهيريًا لافتًا، واختير الشيخ عبد الحليم محمود شخصيةً للجناح، في تأكيدٍ على البعد الروحي والأخلاقي في مسيرة الأزهر، وعلى قدرته الدائمة على تجديد أدواته دون التفريط في منهجه، مع تنوعٍ ملحوظ في الإصدارات والفعاليات والمسابقات . 


وفي عام 2022، النسخة الثالثة والخمسون، والتي اختير فيها الشيخ حسن العطار شخصيةً للجناح، خطا الأزهر خطوةً إنسانية رائدة بإطلاق أول نسخةٍ تجريبية من مصحف الأزهر بطريقة «برايل»، في رسالةٍ واضحة بأن القرآن رسالته للجميع بلا استثناء، وقد حملت الدورة اسم الشيخ حسن العطار، أحد رواد النهضة الفكرية في تاريخ الأزهر . 


وجاءت النسخة الرابعة والخمسون عام 2023، باختيار الدكتور سليمان دنيا شخصيةً للجناح، لتشهد ازدهارًا ملحوظًا في مساحات التواصل والحوار المستنير، وتنوعًا في الندوات الفكرية والنقاشات التي لامست قضايا العصر وهموم الشباب . 


وفي النسخة الخامسة والخمسين عام 2024، اختير الدكتور حمدي زقزوق شخصيةً للجناح، مع سردٍ ثري لسير كبار علماء الأزهر، في محاولةٍ واعية لربط الأجيال الجديدة بالرموز العلمية التي صنعت تاريخ المؤسسة وأسهمت في تشكيل العقل الإسلامي الحديث . 


وتُتَوَّج المسيرة في النسخة السادسة والخمسين عام 2025، باختيار الدكتور محمد عبد الله دراز شخصيةً للجناح، وبمبادراتٍ نوعية، من بينها إصدارات حديثة مهداة من فضيلة الإمام الأكبر للأطفال تحت عنوان «أطفال يسألون الإمام»، في تأكيدٍ على أن بناء الوعي يبدأ مبكرًا . 


وفي النسخة السابعة والخمسين عام 2026، يحتفل الأزهر بالعام العاشر لجناحه في معرض الكتاب، باختيار الشيخ العلامة عبد الغني عبد الخالق شخصيةً للجناح، وفي عامٍ حمل عنوانًا دالًا: «ثمانون عامًا من الحكمة والسلام» كان الاحتفال بميلاد فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، وإلقاء الضوء على رحلةَ عالمٍ جليل، ويعكس في الوقت ذاته مسيرةَ مؤسسةٍ صنعت السلام بالعلم والحكمة . 


وخلال هذه المسيرة الممتدة، لم تتوقف زيارات القيادات الدينية والرسمية، والمفكرين، وأصحاب القلم والكلمة، والشخصيات العامة والمثقفة إلى جناح الأزهر، حيث شكَّلت تلك الزيارات المتواصلة شهادةَ تقديرٍ على مكانته، وإشادةً واضحة بمحتواه ورسائله وأركانه المتنوعة . 


ويحرص دولةُ رئيس مجلس الوزراء، في كل عام، وخلال افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب، على تفقد جناح الأزهر الشريف، مثمِّنًا ما يشهده من تطورٍ ملحوظ، ومشيدًا بأركانه الفكرية والثقافية، ودوره في إثراء الحركة الثقافية وترسيخ قيم الوعي والحوار . 


وظل جناح الأزهر، على مدار عشر سنوات، يتنامى ويتطور، ويتفوق على نفسه عامًا بعد عام، من حيث السعة، وتزايد الأركان، وتنوع الأنشطة والندوات، في ترجمةٍ عملية لتوجيهات قيادات الأزهر المستمرة، وتعليمات فضيلة الإمام الأكبر، بضرورة الانفتاح على المجتمع، وترسيخ ثقافة الحوار، وتقديم خطابٍ دينيٍّ مستنير يليق بتاريخ الأزهر ودوره العالمي . 


إنها حكاية الأزهر في معرض الكتاب: حكايةُ مؤسسةٍ عمرها أكثر من ألف عام، لا تزال تقرأ المستقبل بعينٍ واعية، وتؤمن بأن الكتاب كان وسيظل أحد أعمدة رسالتها، وبأن المعرفة هي الطريق الأصدق لصناعة الإنسان

 وبناء الحضارة .

تعليقات