بقلم: أحمد عادل
باحث في الشؤون الجيوسياسية والإستراتيجية
في مطلع عام 2026، لم يعد المشهد الأفريقي يخضع للمنطق التقليدي للاصطفافات الأيديولوجية؛ بل أصبحت "براغماتية المصالح" هي المحرك الأول للتحالفات العابرة للأقاليم. ومن رحم هذه التحولات، تبرز اتفاقية التعاون العسكري بين المملكة المغربية وجمهورية إثيوبيا الفيدرالية كعنوان لمرحلة جديدة، انتقلت فيها الرباط من "الدبلوماسية الناعمة" القائمة على الاقتصاد والفوسفات، إلى "دبلوماسية الدفاع" لتثبيت أقدامها في قلب القرن الأفريقي.
أولاً: مغامرة "الحسم" في أروقة الاتحاد الأفريقي
تدرك الرباط أن الطريق إلى الحسم النهائي لملف الصحراء المغربية يمر حتماً عبر أروقة أديس أبابا، باعتبارها الدولة المضيفة لمقر الاتحاد الأفريقي وثقلاً ديموغرافياً وسياسياً لا يمكن تجاوزه.
إن التوجه المغربي نحو إثيوبيا يمثل محاولة ذكية لتفكيك "القلاع التاريخية" التي كانت تعتمد عليها جبهة "البوليساريو". ومن خلال بناء شراكة أمنية متينة، تسعى الدبلوماسية المغربية إلى تحويل الموقف الإثيوبي من "الحياد السلبي" أو الدعم التاريخي للخصوم، إلى شراكة استراتيجية قائمة على تبادل المنافع الأمنية المباشرة.
ثانياً: من صفقات السلاح إلى "الحلول الأمنية المتكاملة"
لا تكمن قوة العرض المغربي لأديس أبابا في "بيع المعدات" فحسب، بل في تقديم نموذج أمني متكامل يتناسب مع التحديات الإثيوبية الراهنة، ويشمل ذلك:
نقل التكنولوجيا السيادية: التركيز على أنظمة الطائرات المسيرة (UAVs) وتطبيقات الأمن السيبراني.
الدعم الاستخباري والتدريب: تأهيل الكوادر العسكرية الإثيوبية على تقنيات الرصد الحديثة ومكافحة الإرهاب، وهو ما يجعل أديس أبابا "مدينةً تقنياً" للرباط، ويمنح الأخيرة نفوذاً هادئاً داخل المطبخ السياسي للقارة.
ثالثاً: المقايضة غير المعلنة.. "الصحراء مقابل السد"
خلف كواليس الاجتماعات المغلقة، تلوح ملامح "واقعية سياسية" صلبة تضبط إيقاع هذا التقارب:
المصلحة المغربية: ترى أن اختراق الموقف الإثيوبي في ملف الصحراء أولوية قصوى تستحق المخاطرة بـ "عتاب" حليف تاريخي مثل القاهرة، كونه يغير موازين القوى داخل الاتحاد الأفريقي بشكل جذري.
المصلحة الإثيوبية: تجد في التكنولوجيا العسكرية المغربية مخرجاً للالتفاف على الضغوط الإقليمية، ورسالة مفادها أنها ليست معزولة أفريقياً رغم أزماتها المتصاعدة مع دول الحوض، وعلى رأسها ملف سد النهضة.
رابعاً: مأزق الحليف.. هل تتأثر "ودية" العلاقات مع القاهرة؟
يأتي هذا التقارب في توقيت حساس، حيث بلغت العلاقات (المصرية-الصومالية) ذروتها الدفاعية في 2024-2025، وهو ما تعتبره إثيوبيا تهديداً لمجالها الحيوي. وهنا يبرز التساؤل: كيف سيوازن المغرب بين كونه حليفاً إستراتيجياً لمصر وعضواً فاعلاً في الجامعة العربية، وبين كونه شريكاً عسكرياً صاعداً لإثيوبيا؟
من الناحية الجيوسياسية، يظل "نوع السلاح" هو الخط الفاصل؛ فبينما قد تتفهم القاهرة حاجة الرباط لحسم ملف وحدتها الترابية، إلا أن انتقال التعاون إلى مستويات "الأنظمة الهجومية" قد يضع ضغوطاً على العلاقات المغربية-المصرية، وربما يمتد أثره إلى ملفات التنسيق في الأزمة الليبية وشرق المتوسط.
وفي النهاية إعادة صياغة النفوذ
تمثل "دبلوماسية الدفاع" المغربية في 2026 إعادة صياغة شاملة لخارطة التحالفات الأفريقية. إنها رحلة البحث عن "الاعتراف النهائي" بمغربية الصحراء عبر بوابة الأمن القومي للدول الكبرى في القارة. وبينما تتقدم الرباط بخطى ثابتة في شرق القارة، يبقى الرهان على قدرتها في إدارة "توازن القوى" دون خسارة حلفائها التقليديين في الشمال.

تعليقات
إرسال تعليق