كتب/أيمن بحر
يعكس التصعيد الإعلامى والحرب الكلامية المتبادلة بين الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب وإيران حقيقة جوهرية كثيرًا ما يتم تجاهلها فى قراءة الصراعات الحديثة وهي أن الحروب لم تعد تُحسم بقوة السلاح وحدها بل بالقوة الشاملة للدولة حيث تمثل القدرة العسكرية جزءًا محدودًا من معادلة أعقد تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية
فى عالم اليوم لم يعد امتلاك الترسانة العسكرية كافيًا لتحقيق الانتصار فالدولة التى لا تملك اقتصادًا قادرًا على الصمود أو مجتمعًا متماسكًا أو بنية داخلية قادرة على تحمل كلفة الصراع محكوم عليها بالخسارة مهما بلغت قوتها العسكرية
ما تشهده إيران من مظاهرات واضطرابات داخلية يمكن اعتباره أول طلقة في الجولة الثانية من صراع طويل الأمد جاء توقيتها متزامنًا مع الضوء الأخضر الذي منحته إدارة ترامب لإسرائيل لتصعيد استهدافها لإيران وهو تزامن لا يمكن اعتباره محض صدفة بل يعكس نمطًا معروفًا في إدارة الصراعات الحديثة
الأزمة الاقتصادية في إيران بلغت مستويات خطيرة حيث تجاوز معدل التضخم 45 في المئة في السلع الأساسية وارتفع إلى ما يقارب 65 في المئة في السلع الغذائية وهو ما أدى إلى تآكل حاد في القدرة الشرائية للمواطن الإيراني ودفع قطاعات واسعة إلى الشارع
تعود جذور هذه الأزمة إلى مجموعة من العوامل المتراكمة يأتي في مقدمتها ضعف النظم الداخلية وغياب البنية التحتية المتكاملة فإيران تمتلك موارد طاقة ضخمة لكنها تفتقر إلى شبكات إنتاج وتوزيع كهرباء فعالة وتمتلك أراضي زراعية واسعة لكنها تعاني نقصًا حادًا في المياه كما أن عوائدها المالية على مدار سنوات طويلة تم توجيهها لبناء نفوذ خارجي واسع في العراق ولبنان وسوريا واليمن بينما غاب الاستثمار الحقيقي في رفاهية المواطن الإيراني ذاته
العقوبات الدولية لعبت دورًا محوريًا في تعميق الأزمة حيث تعرض الاقتصاد الإيراني لسلسلة طويلة من القيود منذ الثورة الإيرانية مرورًا بالحرب مع العراق وصولًا إلى الملف النووي ما أدى إلى حالة من الجمود الاقتصادي جعلت الدولة تبذل مجهودًا هائلًا دون تحقيق أي تقدم حقيقي وكأنها تركض في مكانها
إلى جانب ذلك جاء فشل المفاوضات مع أوروبا بالتوازي مع التصعيد الإعلامي الأمريكي ليُحدث صدمة مزدوجة في النظام النقدي الإيراني حيث خرجت رؤوس الأموال المحلية وتوقفت التدفقات الخارجية ما أدى إلى صعوبة توفير السلع الأساسية وانهيار قيمة العملة المحلية وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق
ولا يمكن إغفال تأثير التحركات الأمريكية ضد ما يُعرف بأسطول الظل الإيراني وهو الآلية التي استخدمتها طهران للالتفاف على العقوبات عبر بيع النفط بطرق غير رسمية حيث يتم الاستيلاء بشكل متكرر على هذه السفن في عرض البحر والأهم أن العائدات المحدودة التي تحققها هذه العمليات لا تصب في صالح السوق المحلي بل يتم توجيهها مباشرة إلى المجهود الحربي
ورغم أن إيران دولة غنية بالموارد وتملك إمكانيات حقيقية للنهوض إلا أن معالجة أزماتها تتطلب سنوات من الإصلاح الهيكلي وإدارة مختلفة تمامًا للموارد وهو ما لم يحدث حتى الآن بل على العكس اختارت القيادة الإيرانية طريق التصعيد الإعلامي مع ترامب وهو الخيار الأسوأ في مثل هذه اللحظات
فالدخول في حرب إعلامية مع شخصية مثل ترامب لا يمثل سوى مغامرة غير محسوبة فالتعامل مع هذا النمط من القادة لا يكون بالتصعيد بل بالتجاهل أو بالاحتواء السياسي لأن التصعيد لا يؤدي إلا إلى تعقيد المشهد وتسريع الانهيار الاقتصادي وفتح الباب لاحقًا أمام المواجهة العسكرية
ما يحدث داخل إيران اليوم يتقاطع بشكل لافت مع رؤية البنتاجون للصراع مع الصين حين أعلنت الولايات المتحدة أن زمن المواجهة التقليدية قد انتهى وأن الصراع القادم سيكون عبر أدوات غير مباشرة وغير تقليدية وما يجري في إيران يمكن اعتباره نموذجًا تجريبيًا لهذا النوع من الحروب حيث يتم استنزاف الدولة من الداخل قبل أي مواجهة مفتوحة
نجاح هذا النموذج في الحالة الإيرانية سيمنح واشنطن ثقة أكبر في استخدامه لاحقًا في صراعها الأكبر مع الصين وهو ما ينقل النظام الدولي إلى مستوى غير مسبوق من الصراعات المركبة التي تُدار بلا جيوش على الأرض ولكن بتكلفة قد تكون أشد فتكًا من الحروب التقليدية

تعليقات
إرسال تعليق