فلا مالٌ يبقى ولا ملامحٌ تدوم، إنما يخلّد المرء أثرُ خُلقه في القلوب .
لا يُعاب المرء بفقرٍ ضاق به رزقه، فالفقر امتحانٌ يختبر الصبر ويكشف معدن النفوس، ولا ينقص من قدر إنسانٍ صان كرامته وحافظ على نقاء يده ولسانه. ولا يُعاب باختلاف هيئة الجسد؛ نحولًا كان أو ضخامةً أو ملامح لا توافق أهواء الناس، فالجسد مجرد وعاءٍ فانٍ، لا يدل بذاته على صفاء الروح أو سموّ الفكر. إنما تُقاس إنسانيةُ المرء بصدق لسانه حين ينطق، وبطهارة لفظه حين يواجه، وبسلوكه حين تُختبر أخلاقه في الخفاء قبل العلن، وفي لحظات القدرة لا لحظات العجز؛ فالوقاحة فضيحةٌ تُعلن عن خللٍ في القلب، وسوء الخلق يفتضح عند أول امتحانٍ للحلم والعدل والوفاء، لأن الأخلاق هي الميزان الذي لا يخطئ.
الجمال الحق ليس في صورةٍ تُبهرك عينًا ثم تخفت مع دوران الأيام؛ فملامح الوجه زينةٌ مؤقتة، والزمان يمحو الألوان كما تمحو الرياحُ آثار الخطى على الرمل. نصف جمال الإنسان في لسانٍ عفٍّ يتخير كلماته كما يتخير البستاني أزهاره؛ يضع كل لفظٍ في موضعه، يصون الحق، ويجبر الخاطر، ويعرف متى يصمت ليمنح المعنى هيبته. ونصفه الآخر في عقلٍ راجحٍ يزن الأمور بميزانٍ لا يُمالئ هوى، وفي قلبٍ طيبٍ رقيقٍ، يتسع للناس رغم اختلافهم، ويجري فيه النور كما تجري الأنهار في أرضٍ عطشى، لا تنقطع ولا تجف، لأن القلب الطيب هو منبع الحياة، والعقل الحكيم هو دليلها.
أما الوجه فهو غلافٌ فانٍ، يطويه الدهر كما يطوي الخريفُ أوراقه، وتزول معه صرعات الزينة وبهرج المظهر، ويبقى الأصل لما لا يزول: خلقٌ كريمٌ يُرى في الموقف قبل الصورة، وفي الأثر الذي يتركه الإنسان في النفوس؛ فالأخلاقُ تاجٌ لا يهرم، والقلوبُ الصافية جواهرُ تُحسِن حين تُستفز، وتثبت حين تُستدرج، وتصدق حين تُغرى بالكذب، لأنها تعرف أن الصدق هو جذر الكرامة، وأن الرحمة هي ظلّ الإنسانية، وأن الوفاء هو العهد الذي لا ينكسر.
وتذكّر دائمًا: إن وضعت رأسك على وسادتك وقد نزعت من قلبك أحقاد الأمس وغلَّ التنافس وضغائن الظنون، فقد بلغت ذروة سعادةٍ لا تُشترى؛ فصفاء القلب راحةٌ تعلو كل راحة، وهو أمنٌ داخليٌّ يهبك نومًا هادئًا ووعياً مستقيمًا. وليس الصفاء سذاجةً ولا ضعفًا؛ بل هو قوةُ من يغفر ليحمي نفسه، ويتجاوز ليحفظ كرامته، ويختار السلام لأنه يعرف قيمة العمر، ويوقن أن أجمل الوجوه ما عكسته القلوب الصادقة والعقول الحكيمة والألسنة الرقيقة، لأن الجمال الحقيقي هو ما يبقى حين يزول كل ما سواه.
قلم الأستاذة خديجة آلاء شريف
الجزائر
12/12/2025
تعليقات
إرسال تعليق