بقلم الصحفي: وفدي عبدالواحد
بينما يهرع العالم اليوم نحو "الرقمية الكاملة"، نجد أنفسنا أمام معضلة كبرى لم تعد تتعلق بجودة الخدمات، بل بالثمن الباهظ الذي ندفعه من خصوصيتنا. إن السؤال الحقيقي الذي يطرحه الواقع الآن ليس "كيف نحمي بياناتنا؟" بل "هل لا تزال الخصوصية حقاً إنسانياً ممكناً في عصر الاستباحة الرقمية؟".
فخ الرفاهية الرقمية
لقد تجاوزنا منذ زمن مرحلة الخوف من سرقة "كلمة مرور"؛ فنحن نعيش الآن عصر "التنميط السلوكي". كل إشارة رقمية نتركها خلفنا، بدءاً من ضغطة زر الإعجاب وصولاً إلى مساراتنا عبر خرائط المواقع، هي في الحقيقة مادة خام تُباع وتُشترى في أسواق لا نعرف عنها شيئاً. التحدي الأكبر الذي يواجه مستقبل الخصوصية هو أننا أصبحنا "شفافين" تماماً أمام خوارزميات لا تنام، مما يجعل الأمن السيبراني مهمة شاقة تتطلب وعياً يتجاوز مجرد تثبيت برامج الحماية.
الذكاء الاصطناعي.. الوجه الآخر للمخاطر
المفارقة الكبرى تكمن في أن الذكاء الاصطناعي، الذي نعتبره ثورة في الإنتاجية، هو نفسه الذي منح "القراصنة" قدرات لم يحلموا بها. نحن نتحدث اليوم عن فيروسات "تتطور ذاتياً" وبرمجيات خبيثة قادرة على المراوغة وتغيير شفرتها للإفلات من الرقابة. إننا نشهد حرباً باردة من نوع جديد، طرفاها خوارزميات تبني وخوارزميات تهدم، وبين هذا وذاك يقف المستخدم العادي كحلقة أضعف في سلسلة لا تنتهي من التهديدات.
ضياع الحقيقة في زمن "التزييف"
لعل أخطر ما يهدد أمننا في المستقبل القريب ليس سرقة الملفات، بل "تزييف الحقيقة" ذاتها. تقنيات التزييف العميق (Deepfake) وصلت إلى مستويات مرعبة من الدقة، مما يجعل التلاعب بالهوية الرقمية أمراً يسيراً. هنا يتحول مفهوم الأمن السيبراني من حماية "أجهزة" إلى حماية "الهوية البشرية" وصونها من الانتحال والتزوير الذي قد يدمر حياة الأفراد ومستقبل المؤسسات.
الوعي.. خط الدفاع الأخير
في النهاية، يظل "العنصر البشري" هو الثغرة وهو الحل في آن واحد. فمهما بلغت قوة التشفير، تظل الأخطاء البشرية البسيطة هي المنفذ الرئيسي لأكبر الاختراقات العالمية. إن بناء "ثقافة سيبرانية" مجتمعية أصبح ضرورة لا تقل أهمية عن التعليم الأساسي؛ فالمجتمع الذي لا يدرك قيمة بياناته هو مجتمع مكشوف أمنياً مهما امتلك من أدوات تكنولوجية.
واخيرا
إن معركتنا مع التكنولوجيا ليست صراعاً من أجل البقاء، بل هي رحلة لاستعادة السيطرة. التطور الرقمي قدر لا يمكن الفرار منه، لكن الحفاظ على "قدسية الخصوصية" هو الخيار الوحيد الذي يضمن لنا العيش بأمان في عالم لا يعترف بحدود الجدران، بل بصلابة الوعي

تعليقات
إرسال تعليق