لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ،حين يلوح في الأفق خبر العاصفة، ترتجف القلوب قبل الأجساد، ويتهيأ الناس وكأنهم أمام امتحان من امتحانات القدر. غير أن المفاجأة تأتي حين يشرق الصباح ساكنًا، هادئًا، بلا أثر لما أُعلن عنه. هنا يختلط الاستغراب بالظنون، فيحسب البعض أن الأمر كان تهويلًا أو مبالغة. لكن الخطر لا يكمن في هدوء الطقس، بل في ردود الأفعال التي تلت ذلك؛ إذ سرعان ما تحولت القضية إلى مادة للتهكم، وصارت العاصفة موضوعًا للضحك والميمز، وكأننا أمام أمة تفرح بالكوارث وتحوّلها إلى نكتة عابرة.
هذا السلوك ليس خفة دم، بل خفة وعي. إنه علامة على ضعف الوازع الديني، وانقطاع عن ثقافة التدبر، وغفلة عن أن الريح ليست مجرد حركة في الهواء، بل آية من آيات الله، رحمةً أو عذابًا. ألم يُهلك الله قوم عاد بالريح العقيم؟ تلك الريح التي جعلتهم كالجذوع الخاوية، عبرةً للتاريخ؟ فكيف نجرؤ نحن على تحويلها إلى مادة للاستهزاء؟
الريح ليست هزلًا، بل هي من روح الله، كما قال رسول الله ﷺ: "الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بالعَذَابِ، فَإِذا رَأَيْتُمُوهَا فَلا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللَّه خَيْرَهَا، واسْتَعِيذُوا باللَّهِ مِنْ شَرِّهَا"، رواه أبو داود بإسناد حسن. هذا الحديث الشريف يعلّمنا أن الريح باب للدعاء، لا ساحة للتهكم، وأنها مناسبة للاستغفار، لا فرصة للسخرية.
إن ما نحتاجه اليوم هو أن نعيد الاعتبار للجدية، أن نستعيد ثقافة التدبر، أن نقرأ القرآن لا كألفاظ محفوظة، بل كرسائل حية تنبهنا إلى أن ما نراه في الطبيعة ليس مجرد ظواهر، بل آيات تتحدث إلينا بلغة القدرة والرحمة والابتلاء. فلنستبدل الضحك الفارغ بالخشوع الصادق، ولنحوّل كل ظاهرة طبيعية إلى لحظة تأمل في عظمة الخالق، لا إلى نكتة عابرة.
نسأل الله أن يعفو عنا، وأن يلطف بنا، وأن يجعل هذه الرياح رحمةً لا نقمة، وخيرًا لا شرًا، وأن يردنا إلى رشدنا قبل أن نصبح نحن أنفسنا عبرةً للتاريخ.
قلم الأستاذة خديجة آلاء شريف
29/01/2026
الجزائر
تعليقات
إرسال تعليق