القائمة الرئيسية

الصفحات

نبيل أبوالياسين : بوتين ينتصر.. وزيلينسكي ينذر أوروبا .. الصحوة في زمن الصفقات







الإخبارية نيوز: 

في مسرح العالم حيث تذوب الحقائق القديمة وتتشكل حدود جديدة بمزاج القادة، تقف أوروبا على حافة الهاوية. من على منصة دافوس، يصوِّب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي سهام يأس محمَّلة بمرارة الخيانة نحو حلفائه الأوروبيين، بينما تُوضَع اللمسات الأخيرة على مسودة سلام تاريخية في أبوظبي تنهي حرباً مستعرة منذ أربع سنوات، ولكن بشروط المنتصر. وفي الخلفية، تلوح لعبة غرينلاند الاستفزازية، حيث يجري التلاعب بالسيادة الوطنية كما لو كانت سلعة في سوق المزادات. إنها لحظة مفصلية تتجسد فيها مخاوف القارة العجوز: رئيس أمريكي لا يرى في العلاقات الدولية سوى صفقات قابلة للتفاوض، وخصم روسي ماهر في استغلال هذه الانقسامات، ووحدة أوروبية تتشقق تحت وطأة الضغوط. الصحوة الآن ليست خياراً، بل هي مسألة بقاء في عالم يبدو أنه قد تخلى عن كل القواعد لصالح منطق القوة والصفقة المجردة.


أبوظبي: مسرح الصفقة التاريخية

على أرض دولة الإمارات، التي أثبتت دورها كوسيط موثوق من خلال إتمام 17 عملية لتبادل الأسرى، يجري الآن التفاوض على واحدة من أخطر الصفقات الجيوسياسية في العصر الحديث. بدأت محادثات ثلاثية مكثفة تستضيفها أبوظبي بين وفود رفيعة المستوى من روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. يترأس الوفد الأمريكي المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس السابق جاريد كوشنر، فيما يمثل روسيا الجنرال إيغور كوستيوكوف من هيئة الأركان، وأوكرانيا كيريل بودانوف وروستم أوميروف. جاءت هذه المحادثات بعد لقاء طويل و"بناء للغاية" بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والوفد الأمريكي في موسكو، وصفه الكرملين بأنه جرى في جو من "الصراحة البالغة والثقة المتبادلة". اللافت هو النبرة التفاؤلية الأمريكية، حيث أعلن ويتكوف أن الاتفاق "في مراحله النهائية" وأن الخلافات المتبقية "تتركز حول قضية واحدة قابلة للحل". لكن وراء هذا التفاؤر، تكمن بنود صعبة تلمح إلى انتصار روسي: انسحاب أوكراني من إقليم دونباس، وضمانات بعدم الانضمام للناتو، وترتيبات إقليمية مؤلمة.


زيلينسكي: صرخة اليأس الأخيرة

في دافوس، تحوَّل خطاب الرئيس الأوكراني من نداءات الاستجداء إلى توبيخٍ حادٍ مليء بالإحباط. "وصف زيلينسكي اجتماعات القادة الأوروبيين بأنها تشبه فيلم "يوم جنازة الأرض" (Groundhog Day)، حيث يعيش المرء اليوم ذاته بتفاصيله المملة مراراً، حيث تتكرر الوعود والمناقشات دون أي تقدم حقيقي. توجه مباشرة إلى أوروبا قائلاً: "بدلاً من أن تأخذ أوروبا زمام المبادرة في الدفاع عن الحرية... تبدو أوروبا تائهة". وكانت رسالته الأكثر قسوة متعلقة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب: "هو يقول إنه يحب أوروبا، لكنه لن يستمع إلى أوروبا بهذا الضعف... ترامب لن يتغير". هذا اليأس له ما يبرره؛ فبينما كان زيلينسكي يلقي خطابه، أعلن ترامب من طرفه أن "اتفاق السلام قد يجنب أوكرانيا خسارة مزيد من الأراضي"، في إشارة واضحة إلى أن التنازلات الإقليمية هي الثمن الحتمي للسلام. لقد أدرك زيلينسكي أن حلفاء الأمس قد بدأوا في عدِّ النفقات، وأن الصفقة الكبرى تجري فوق رأسه.


لعبة غرينلاند: السخرية كسلاح جيوسياسي

في مناورة بارعة كشفت عمق التفاهم غير المعلن بين الكرملين والبيت الأبيض، سخّر بوتين أزمة غرينلاند لخدمة أهدافه. بعد أن هدد ترامب بغزو الجزيرة وعرض مئات المليارات لشرائها، خرج بوتين بمقترحه الاستفزازي: "200 مليون دولار فقط"، مقللاً بذلك من قيمة السيادة الأوروبية كما لو كانت صفقة عقارية في زمن الإمبراطوريات. لم تكن هذه مجرد سخرية، بل ضربة مُحكمة تهدف إلى:

· إهانة الحلفاء الأوروبيين: بتذكيرهم بأن سيادتهم قابلة للتقييم المالي الزهيد في عالم ترامب.

· تقويض الناتو: بتحويل نقاش داخل الحلف إلى مزاد علني على أراضي أحد أعضائه.

· تطبيع منطق الضم: لجعل فكرة الاستيلاء على الأراضي بالقوة أو المال أمراً مقبولاً في النظام الدولي الجديد.

  الرد الأوروبي كان حازماً لكنه يعكس القلق العميق. أعلنت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن أن "السيادة ليست للنقاش"، وطلبت وجوداً عسكرياً دائمًا للناتو في المنطقة القطبية. وحذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن رضوخ أوروبا لمنطق الصفقات سيجعل بوتين "أسعد رجل في العالم". لكن الأوان كان قد فات؛ فقد نجح بوتين في تشجيع الطموحات التوسعية لترامب، محولاً انتباه واشنطن نحو القطب الشمالي بينما تُترك له حرية التحرك في ساحة أوكرانيا.


أوروبا بين المطرقة والسندان

تجد القارة العجوز نفسها محاصرة بين مطرقة الضغوط الأمريكية وسندان التهديد الروسي. من جهة، يواجه الاتحاد الأوروبي تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 25%، مما دفع البرلمان الأوروبي إلى التهديد بتعليق الاتفاقيات التجارية مع واشنطن. من جهة أخرى، يشهد الناتو، العمود الفقري للأمن الأوروبي منذ الحرب العالمية الثانية، أسوأ أزمة وجودية في تاريخه. صرحت الحكومة الدنماركية بأن أي محاولة أمريكية للسيطرة على غرينلاند ستعني "نهاية حلف الناتو". وفي خضم هذه العاصفة، يحاول القادة الأوروبيون الحفاظ على مظهر الوحدة. قال ماكرون: "نحن حذرون"، مؤكداً على أهمية الرد "بصورة موحدة". لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل تكفي الوحدة والخطابات الحازمة لمواجهة تحالف مصالح غير مقدس بين واشنطن وموسكو، يعيد رسم خريطة العالم وفقاً لمنطق القوة والصفقة المجردة، متجاوزاً كل ما بنته أوروبا من قيم وقوانين دولية؟


مستقبل غير مضمون

وختامًا إن المفارقة التاريخية تكمن في أن السلام الذي طال انتظاره قد يكون بداية لفوضى أكبر. الاتفاق الذي يُخاطَر في أبوظبي، برعاية إماراتية مشهودة، قد يوقف إطلاق النار، ولكنه في نفس الوقت يشرعن مبدأ تغيير الحدود بالقوة. ضمانات الأمن التي تفاوض عليها زيلينسكي يائساً مع ترامب، والتي قال إنها وصلت إلى "الميل الأخير"، قد تثبت أنها حبر على ورق في عالم لا يحترم إلا موازين القوى المتغيرة. أوروبا، التي نبهها زيلينسكي إلى أنها إن لم تتحرك الآن فستبقى "في الخلف"، تواجه اختبار وجودها الحقيقي. هل ستستيقظ من سباتها وتتحول إلى قوة جيوسياسية فاعلة وقادرة على حماية نفسها، أم ستستسلم لمصيرها كمتفرج على قطار الصفقات الكبرى الذي يقوده ترامب وبوتين؟ الجواب لن يأتي من قاعات دافوس الفاخرة، ولا من غرف المفاوضات المعزولة في أبوظبي، بل من إرادة شعوب أوروبا وقادتها في اختيارهم بين أن يكونوا صناعاً للتاريخ، أو مجرد غنيمة في سوق الصفقات الذي ينهي عصراً ويبدأ آخر مجهول المعالم، قاسي الأحكام، لا يرحم الضعفاء ولا يحترم إلا لغة القوة التي تذر الرماد في عيون من يفكرون بأن القيم وحدها كفيلة بالحماية. الصحوة لم تعد رفاهية، بل هي مسألة حياة أو موت لهوية قارة بأكملها.

تعليقات