القائمة الرئيسية

الصفحات

الشرح التأويلي لكلمتي الشمس والقمر


 الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني 


من كتاب تأويل الأحرف في القرآن الكريم 


القرآن العظيم يُقرأ عب • 



ر طبقات من الفهم، وفي كل طبقة تتشكّل مراتب تتدرّج من الدلالة اللفظية الظاهرية إلى الإشارة الرمزية، ثم إلى المعنى الباطني. والقراءة التأويلية المعتمدة هنا تتحرّك داخل المستويات الثلاثة الأولى من هذا البناء المعرفي، حيث تفكّك الكلمة إلى حروفها، ويُعامَل الحرف كوحدة دلالية قائمة بذاتها، ثم تعاد الحروف إلى نظامها التركيبي لتتشكّل الكلمة، ومن تآلف الكلمات يتّسع أفق المعنى في مسار تصاعدي كاشف.


بسم الله الرحمن الرحيم

فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وجُمِعَ الشَّمْسُ والْقَمَرُ (9)

﴿ سورة القيامة ﴾


يتحدّث الله في هذه الآية عن الجمع بين الشمس والقمر، وقد تمّ تناولت هذا الجمع في مستويات شرح سابقة، أمّا هنا فنقف عند مستوى آخر من التأويل.


• عند جمع كلمتي الشمس والقمر حرفيًا، يظهر تطابق بنيوي دلالي:


الشمس القمر

ش ↔ ق

م ↔ م

س ↔ ر

فتتشكّل ثلاث كلمات: شق – سر – مم

ومن خلال الشرح اللغوي لكلمتي شق وسر، ينفتح المعنى على الكلمة الثالثة مم، وهي كلمة تحمل تركيبًا مزدوجًا، إذ تتكوّن من حرفين متماثلين في الصورة، متضادّين في الوظيفة:

• م الأولى: تشير إلى التشابه.

• م الثانية: تشير إلى التضاد.


وهنا يبرز السؤال التأويلي: ما المادتان في السماء المتشابهتان والمتضادتان في آنٍ واحد؟

يأتي الجواب من داخل النص القرآني نفسه، حيث إن الجمع بين الشمس والقمر، "كما تمّ بيانه سابقًا" يقوم على شحنتين متقابلتين:

شحنة موجبة للقمر، وشحنة سالبة للشمس، وعند الجمع بين الشحنتين يحدث البرق.

وهنا تتكشّف دلالة مم إشارة إلى المادة المضادة، تلك الطاقة الكونية الهائلة الناتجة عن التقاء المتشابه والمتضاد عما يسمى بقنبلة المادة المضادة.


بسم الله الرحمن الرحيم

 اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ الْقَمَرُ * وإِنْ يَرَوا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * ولَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴿ سورة القمر 1-5 ﴾


تقوم علاقة عميقة بين هذه الآيات وكلمتي شق وسر.

فالسرّ الأول يتعلّق بكيفية انشقاق القمر،

والسرّ الثاني يتعلّق بانشقاق السماء يوم القيامة،

والجامع بينهما طاقة واحدة: طاقة المادة المضادة (مم).

تلك الطاقة التي شقّت القمر، هي ذاتها التي ستكون وراء انشقاق السماء عند قيام الساعة، هي طاقة المادة م، م المضادة.


بدأ كلّ شيء بالحرف ب، ويعني الله، ثم نزل القرآن خاتم الكتب المقدّسة، وذُكر محمد النبي ﷺ، لتُختَم الدائرة بالحرف م، رمز النهاية الكونية، حيث تشير كلمة بسم إلى الامتداد من البداية إلى النهاية.

. . .


هذه التجربة التدبّرية في علم تأويل الأحرف في القرآن الكريم تنطلق من قراءة رمزية باطنية للحرف والكلمة، بوصفهما حاملين لإشارات معرفية وروحية تتكشّف مع الصبر والمجاهدة.

وهي دعوة لكل متأمّل أن يبدأ رحلته من كلمة واحدة، يصاحبها، ويمنحها زمن الفجر، حيث الصفاء، لأن التدبّر تربية روحية تتقدّم فيها المعرفة بخطى اليقظة.


،؛، دمتم يقظين… تفلحوا ،؛،


تحياتي لإدارة الجريدة الراقية،

وبالتوفيق والسداد للجميع.

تعليقات