القائمة الرئيسية

الصفحات

الإنسانُ بينَ غَضَبِ الطَّبيعةِ وتَخْريبِ الذَّات

الإنسانُ بينَ غَضَبِ الطَّبيعةِ وتَخْريبِ الذَّات



فُؤَادٌ زَادِيكِيٌّ


تتعرَّضُ حياةُ البشرِ والكائناتِ الحيَّةِ منذُ فجرِ التَّاريخِ إلى أحداثٍ قاسيةٍ وحوادثَ مدمِّرةٍ، تَفرضُها قُوى الطَّبيعةِ حينًا، ويُفاقِمُها الإنسانُ حينًا آخر. فالعواصفُ الرَّمليَّةُ، والانهياراتُ الأرضيَّةُ، والانزلاقاتُ الصَّخريَّةُ، والزَّلازلُ، والبراكينُ، وأمواجُ التِّسونامي، والفيضاناتُ، والجفافُ الصَّحراويُّ، والهزَّاتُ الأرضيَّةُ، والسُّيولُ الجارفةُ، وتشقُّقاتُ قشرةِ الأرض، كلُّها مظاهرُ لقُدرةِ الطَّبيعةِ حين تثور، فتُذكِّر الإنسانَ بضعفهِ وضآلةِ شأنه أمامَ قوانينِ الكون.


ولا تَقتصرُ المآسي على الكوارثِ الطَّبيعيَّةِ فحسب، بل تمتدُّ إلى الأوبئةِ والأمراضِ الفتَّاكةِ، والانحباسِ الحراريِّ، وتضرُّرِ طبقةِ الأوزون، والحرائقِ الهائلةِ، والأمطارِ الغزيرةِ، وتراكمِ الثُّلوج، والتلوُّثاتِ المائيَّةِ والبيئيَّةِ التي تُفسِدُ الهواءَ والماءِ والتُّربة. وكأنَّ كلَّ هذه المصائبِ لا تكفي لإيقاظِ ضميرِ الإنسان، حتَّى يُضيفَ إليها من صُنعِ يديه ما يجعلُ الطِّينَ بلَّةً.


فالإنسانُ، بدلَ أن يكونَ حارسًا للأرض، تحوَّلَ في كثيرٍ من الأحيان إلى عدوٍّ لها. أشعلَ الحروبَ، وفجَّرَ القنابلَ، ودمَّرَ المدنَ، وخرَّبَ البيئةَ تخريبًا متعمَّدًا، وقطعَ الغاباتِ، ولوَّثَ البحارَ، واستنزفَ الثَّرواتِ دونَ حساب. ولم يَسلَمْ من هذا الخرابِ لا الإنسانُ نفسُه، ولا الحيوانُ، ولا النَّباتُ، ولا حتَّى الأجيالُ القادمةُ التي ستدفعُ ثمنَ أخطاءِ السَّابقين.


إنَّ أخطرَ ما يقومُ به البشرُ ليسَ غضبَ الطَّبيعة، بل تجاهلَهم لعواقبِ أفعالِهم، واستمرارَهم في العبثِ بتوازنِ الأرض. فحين تُدمَّرُ البيئةُ، يدمِّرُ الإنسانُ نفسَه ببطء، وحين تُهمَلُ القيمُ الإنسانيَّةُ، تتحوَّلُ الكوارثُ إلى قدرٍ دائمٍ لا مفرَّ منه.


وخلاصةُ القولِ، إنَّ الأرضَ لا تنتقمُ، بل تُنذِر، والإنسانُ هو المسؤولُ الأوَّلُ عن تضخيمِ المآسي التي يعيشُها. فإذا لم يُراجعْ سلوكَه، ويُصحِّحْ أخطاءَه، ويتعلَّمْ كيفَ يتعايشُ مع الطَّبيعةِ بدلَ أن يُحاربَها، فإنَّ المستقبلَ لن يكونَ سوى سلسلةٍ متواصلةٍ من الكوارثِ التي صنعَها بيديه.

تعليقات