بقلم/ أيمن بحر
من يتابع الخطاب الإعلامى الإثيوبى هذه الأيام لا يرى سياسة بقدر ما يرى حالة من الهستيريا الجماعية الموجهة ضد مصر
تحول الحديث من إدارة دولة تواجه أزمات معيشية حادة إلى سباق مفتوح فى بث الكراهية والتحريض والتشكيك وكأن الهدف الوحيد هو النيل من مصر وقيادتها
المشهد لم يعد خلافا سياسيا بل أقرب إلى حالة نفسية تعكس عجزا داخليا يتم تصديره إلى الخارج
بلد يتجاوز عدد سكانه مئة وعشرين مليون نسمة ما زال يعانى من نقص الغذاء والكهرباء والبنية الأساسية ومع ذلك ينشغل إعلامه بالسؤال الأهم لديهم وهو كيف نكايد مصر
الهوس باسم الرئيس السيسى داخل الإعلام الإثيوبى لم يعد طبيعيا
يتكرر الخطاب العدائى بنفس مفردات جماعات الإخوان المسلمين من حيث العويل السياسى والكراهية المنظمة وكأن الرجل يعيش فى وعيهم الجمعى لا كخصم سياسى بل كعقدة نفسية متجذرة
وفي خضم هذا المشهد العبثى يظهر خبر التعاون العسكرى بين إثيوبيا والمغرب
وهو تحالف بعيد جغرافيا وسياسيا ولا يمت بصلة إلى صراع المياه أو منطقة القرن الأفريقى
المغرب لا يشارك إثيوبيا حدودا ولا مصالح مائية بل فتح قواعد عسكرية لإسرائيل ولا علاقة له بأزمة سد النهضة من الأساس
هذا النوع من التحالفات لا يعكس قوة بل يعكس حالة من الهروب العقلى
إثيوبيا تتعامل وكأن موازين القوى تدار عبر الرسائل الإلكترونية أو عبر بيانات استعراضية لا تغير شيئا فى الجغرافيا ولا فى ميزان الردع الحقيقى
مصر من جانبها لا تعمل بمنطق الغل أو الانتقام
لو كانت دولة صغيرة أو حاقدة لردت على هذه التحركات باعتراف رسمى بجبهة البوليساريو ولكسرت المغرب سياسيا وأشعلت صراعات إقليمية بلا رصاصة واحدة
لكن مصر تتحرك بمنطق الدولة الثقيلة التي تزن الأمور بمصالحها واستقرار المنطقة وليس بانفعالات اللحظة
ما يحدث اليوم يؤكد أن العالم لا يعرف تحالفات أخلاقية بل يعرف فقط لغة المصالح
ولا يعرف عداوات أبدية بل حسابات دقيقة تفرضها الجغرافيا والقوة والتاريخ
إثيوبيا تظن أن الصوت المرتفع يمكن أن يعوض ضعفها الداخلي وأن التحالفات البعيدة تمنحها ثقلا لا تملكه
لكن الحقيقة البسيطة أن الدول لا تقاس بضجيجها بل بقدرتها على الفعل
ومصر ليست دولة تحتاج إلى تهديد أو إعلان
وجودها وحده كاف ليعيد ضبط ميزان المنطقة
والدرس الأهم أن من يستهين بمصر أو يتصور أنه يستطيع تجاوزها سيكتشف متأخرا جدا أن الحساب مع دولة بهذا الحجم لا يكون خفيفا أبدا

تعليقات
إرسال تعليق