لطالما بدت الهيمنة الأمريكية على العالم وكأنها قدرٌ لا فكاك منه، منذ لحظة انهيار الاتحاد السوفيتي وتحوّل واشنطن إلى القطب الأوحد الذي يفرض إيقاع السياسة والاقتصاد وحتى الثقافة على النظام الدولي. لكن السنوات الأخيرة حملت مؤشرات متراكمة تطرح سؤالًا لم يعد ترفًا فكريًا: هل بدأ بالفعل العدّ التنازلي لانهيار هذه الهيمنة؟
أول ملامح التراجع يظهر في التحول البنيوي للنظام الدولي. العالم لم يعد يحتمل منطق القطب الواحد، لا سياسيًا ولا اقتصاديًا. صعود قوى كبرى مثل الصين وعودة روسيا إلى المسرح الدولي، إلى جانب أدوار إقليمية متنامية لدول مثل الهند وإيران وتركيا، خلق توازنات جديدة تقلّص من قدرة الولايات المتحدة على الانفراد بالقرار العالمي. لم تعد واشنطن قادرة على فرض إرادتها دون كلفة، ولم يعد العالم يصطف تلقائيًا خلف سياساتها.
اقتصاديًا، تتعرض الهيمنة الأمريكية لهزّات عميقة. سلاح الدولار، الذي كان أداة واشنطن الأشد فاعلية، بدأ يفقد بريقه مع اتجاه عدد متزايد من الدول إلى تنويع احتياطاتها النقدية وإجراء التبادلات التجارية بعملات محلية أو إقليمية. العقوبات الاقتصادية المفرطة، التي استخدمتها الولايات المتحدة كسلاح سياسي، دفعت خصومها وحتى بعض حلفائها للبحث عن بدائل تقلل من الارتهان للاقتصاد الأمريكي.
سياسيًا، تآكلت صورة “القيادة الأخلاقية” التي لطالما سوّقت لها واشنطن. ازدواجية المعايير في قضايا حقوق الإنسان، والدعم غير المشروط لحلفاء يرتكبون انتهاكات واضحة للقانون الدولي، أفقدت الخطاب الأمريكي مصداقيته. العالم بات يرى التناقض بين الشعارات المرفوعة والممارسات على الأرض، وهو ما أسهم في تراجع النفوذ المعنوي للولايات المتحدة.
أما عسكريًا، فعلى الرغم من التفوق الكمي والتكنولوجي، أثبتت التجارب أن القوة الخشنة لم تعد كافية لصناعة الهيمنة. من أفغانستان إلى العراق، ومن أوكرانيا إلى مناطق أخرى، ظهرت حدود القدرة الأمريكية على الحسم، وبرزت كلفة التدخلات الطويلة التي أنهكت الداخل الأمريكي سياسيًا واقتصاديًا، وعمّقت الانقسام داخل المجتمع نفسه.
الداخل الأمريكي بدوره لم يعد ذلك النموذج المستقر. استقطاب سياسي حاد، أزمات اقتصادية متكررة، تراجع الثقة في المؤسسات، وصعود خطاب شعبوي انعزالي، كلها عوامل تضعف القدرة على لعب دور “شرطي العالم”. فالإمبراطوريات لا تسقط فقط بضربات الخارج، بل بتآكل الداخل أولًا.
ومع ذلك، فإن الحديث عن انهيار فوري للهيمنة الأمريكية قد يكون مبالغًا فيه. الولايات المتحدة لا تزال قوة كبرى تمتلك أدوات هائلة، لكنها لم تعد القوة التي لا تُزاح. ما نشهده على الأرجح ليس سقوطًا مفاجئًا، بل تراجعًا تدريجيًا وانتقالًا بطيئًا نحو عالم متعدد الأقطاب، تُعاد فيه صياغة موازين القوة والنفوذ.
الخلاصة أن العدّ التنازلي ربما بدأ بالفعل، لا لانهيار أمريكا كدولة، بل لانتهاء عصر الهيمنة المطلقة. عالم ما بعد القطب الواحد يتشكّل أمام أعيننا، وعالم الغد لن تحكمه قوة واحدة، بل شبكة معقدة من المصالح والتوازنات، حيث لا مكان للهيمنة المطلقة، بل للتعايش القسري بين قوى متعددة.

تعليقات
إرسال تعليق