القائمة الرئيسية

الصفحات

كشف الصورة المزيفة: كيف يعري "فيلم ميلانيا" الوثائقي زيف القوة الأمريكية العالمية؟



بقلم: نبيل أبوالياسين – كاتب الرأي الاستراتيجي

الإخبارية نيوز: 

في قاعة عرض خاوية، تتلألأ صور مصممة بإتقان، فيما وراء الجدران ينهار عالم. في هذا الفراغ المعبّأ بالزيف، يتحول الوهم إلى إخفاق مدوّ، حين لا يشتري أحدٌ تذكرة لفيلمٍ يهدف ترميم صورة سيدة البيت الأبيض السابقة. المشهد رمزي وكاشف: فبينما تحترق غزة وتُزهق الأرواح بنيران حرب تدعمها إدارة مثلتها، تخرج ميلانيا ترامب في جولة إعلامية واهنة لترويج سردية إنسانية مزورة. هذا الإخفاق ليس رقماً في شباك التذاكر فقط، بل هو رفض جماعي لازدواجية المعايير، وإعلان أن الجمهور لم يعد يُخدع ببريق المظاهر حين يُداس الحق وتُهمّش الضحايا. الدرس واضح: السلطة تبني الجدران، أما الإنسانية فتبني التاريخ.


انفصال عن الواقع: حين يتجاهل الفيلم وجع العالم

لطالما كانت السينما مرآة لهموم البشر أو محاولة لفهمها، لكن فيلم "ميلانيا" فضّل تحطيم المرآة والعيش في برج عاجي. في عمل وُصِف بأنه "دعاية لتلميع الذات"، تجاهل القائمون عليه عمداً المآسي الإنسانية الجارية، مركزين على حكايات الأناقة والأمومة داخل أسوار القصر. بينما كان المخرج يلتقط لقطات حميمة لعلاقة ميلانيا بابنها بارون، كانت طائرات مسيّرة، بدعم من سياسات تلك الإدارة السابقة، تمزق أجساد أطفال في غزة. لم يكن هذا التناقض سهواً، بل قراراً واعياً بتجاهل القانون الدولي وانتهاكات حقوق الإنسان، مما جعل الفيلم منفصلاً عن نبض الإنسانية. حاول العمل استدرار التعاطف مع أطفال أوكرانيا فقط، في تجسيد صارخ لازدواجية المعايير التي فضحها صمت ميلانيا المطبق عن جرائم الحرب في فلسطين. الجمهور لم يُغفل هذه المفارقة الأخلاقية، وصوّت بقدميه ضد محاولة تبييض صفحة لطخها دم الأبرياء.


المقاومة الخجولة: طاقم العمل يحذف أسماءه والجمهور يقاطع العروض

كشفت تقارير صحفية في "ذا تايمز" و"الجارديان" حجم الكارثة المحيطة بالفيلم، حيث طلب ثلثا طاقم العمل إزالة أسمائهم من الشارة التفتتاحية خجلاً من النتيجة الهزيلة. هذه الخطوة النادرة في عالم الصناعة السينمائية تعكس إحساساً عميقاً بالحرج الأخلاقي والمهني من الانتماء لمشروع فاشل ومثير للجدل. على الأرض، تحولت خرائط مقاعد دور العرض في لندن ونيويورك إلى أدلة إدانة، إذ سُجّلت عروض بيعت فيها تذكرة وحيدة، وبقيت غالبية المقاعد شاغرة. لم تكن هذه المقاطعة عفوية، بل رسالة واضحة من مشاهدين تعبوا من استغلال المشاعر وتسويق الصورة على حساب الحقائق. أدرك الناس أن إنفاق 40 مليون دولار للحقوق و35 مليوناً للتسويق لا يشتري المصداقية، خاصة عندما يكون المحتوى مجرد تمجيد لـ"الأنا" في وقت يحتاج العالم إلى التعاطف الجمعي.


الأرقام لا تكذب: خسائر أمازون المليونية وتهاوي "علامة ترامب"

خاطرت أمازون باستثمار بلغ 75 مليون دولار في مقامرة فاشلة لإنقاذ صورة آل ترامب، لتفاجأ بأن "القوة الناعمة" للعائلة قد تحولت إلى وهم باهظ الثمن. تشير التوقعات الأولية إلى أن الفيلم بالكاد سيحقق بين مليون وخمسة ملايين دولار في الشباك العالمي، وهو رقم كارثي قياساً لحجم الاستثمار. هذه الخسائر المالية ليست فشلاً تجارياً فحسب، بل مؤشر على تآكل "علامة ترامب" وجاذبيتها حتى لدى قاعدتها التقليدية. في وقت يواجه فيه دونالد ترامب أزمات سياسية وقانونية ضخمة، يأتي هذا الفشل السينمائي ليعزز صورة الانهيار الشامل. أثبتت الأرقام أن النفوذ السياسي السابق لم يعد قادراً على حشد الجماهير، وأن المواطن الأمريكي بدأ يرفض تمويل آلة دعاية تتجاهل معاناته ومعاناة العالم. سؤال "هل ستسترد أمازون استثماراتها؟" صار أمنية بعيدة في ظل مؤشرات الإقبال "الباردة" خارج واشنطن.


عزلة البيت الأبيض: حفل العرض الخاص في قلب العاصفة

بينما كانت عاصفة ثلجية تضرب الولايات المتحدة وأعمال احتجاجية تشتعل في مينيابوليس إثر عمليات إطلاق نار مميتة، كان البيت الأبيض يحتضن حفلاً خاصاً لعرض الفيلم. نحو 70 ضيفاً من النخبة، من رؤساء شركات التكنولوجيا إلى مصممي الأزياء، احتفلوا بعملٍ يصور "تعقيدات انتقال السلطة"، متجاهلين تماماً العاصفة الاجتماعية والأخلاقية التي تهز الشارع الأمريكي. هذا المشهد يجسد جوهر الأزمة: عزلة تامة عن واقع الناس. حتى الناشطة الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز علقت بأن توقيت "ليلة الأفلام" يثبت عدم الأهلية للقيادة. العرض الخاص، الذي لم يُعلن عنه للعامة، كان محاولة يائسة لخلق بريق إعلامي، لكنه فشل في إخفاء حقيقة أن الفيلم وُلد ميتاً. لقد تحول البيت الأبيض إلى فقاعة منعزلة، ترفع شعار "إعادة العائلة إلى العاصمة" بينما تبتعد العائلة أكثر فأكثر عن هموم الإنسان البسيط وهمة الشارع.


وختامًا: لقد سقط الستار أخيراً على مسرحية التلميع الوهمي، ليظهر أن عرش النفوذ المصنوع من ورق احترق بنار الوعي الجمعي. إن فشل فيلم "ميلانيا" ليس هزيمة فنية عابرة، بل إعلان تاريخي بانتهاء صلاحية ثقافة "الأنا" المتضخمة التي تتعالى على آلام المظلومين. لقد حكم الجمهور بأن الصمت أمام جرائم الحرب في غزة جريمة لا تغتفر، وأن حملات مكافحة التنمر الإلكتروني تتحول إلى سخرية قاتلة عندما تُداس كرامة شعوب بكاملها. جولات الصحافة البائسة لن تنقذ ما أفسدته ازدواجية المعايير، ولن تبيض صفحة ارتبط اسمها بدعم آلة الحرب. هذه الهزيمة الساحقة تذكر كل صاحب سلطة بأن النفوذ الحقيقي لا يُستمد من القصور الفاخرة، بل من الوقوف مع الحق والإنسانية. اليوم، انتصر ضمير المشاهدين على آلة الدعاية المليونية، لتبقى قاعات السينما الخاوية نصباً تذكارياً يخلد لحظة رفض العالم للزيف، ويرسم درساً بليغاً: يمكن شراء الأضواء، لكن لا يمكن شراء الضمائر.

تعليقات