القائمة الرئيسية

الصفحات

النزاعات على السيادة الحدودية لموارد الطاقة في البحر المتوسط


بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي 


تتحول مياه البحر المتوسط الزرقاء الهادئة إلى ساحة مواجهة جيوسياسية صامتة لكنها محتدمة، حيث تتصادم الأحلام بالثروة الطاقية مع حدود الخرائط القديمة وصراعات السيادة المعلقة فتحت قاع هذا البحر، الذي كان لآلاف السنين جسراً للتبادل والحضارة، تكمن احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي، خاصة في حوض شرق المتوسط، مما أطلق سباقاً محموماً للاستكشاف والاستخراج حوَّل المنطقة إلى لوحة شطرنج معقدة الدول المطلة، من مصر وإسرائيل وقبرص ولبنان وتركيا واليونان، تتصارع ليس فقط على الغاز، بل على شيء أكثر جوهرية الحق في ترسيم الحدود البحرية والجرف القاري الذي سيمنحها السيادة القانونية على هذه الموارد في قلب هذا الصراع يقف "قانون البحار" الدولي، ممثلاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تيعتبر الدستور العالمي للمحيطات لكن هذه الاتفاقية، رغم وضوح مبادئها العامة، تتحول إلى أداة بيد القوي عندما تتصادم مع واقع سياسي شائك كيف نطبق قواعد ترسيم الحدود البحرية العادلة في منطقة تعج بالنزاعات الإقليمية غير المحلولة، مثل النزاع بين قبرص والجمهورية التركية لشمال قبرص (التي لا يعترف بها سوى تركيا)، والخلافات بين تركيا واليونان حول الجزر، والنزاع بين لبنان وإسرائيل على الحدود البحرية؟


المشكلة تبدأ بالخريطة نفسها فقانون البحار يمنح الدول الحق في منطقة اقتصادية خالصة تمتد 200 ميل بحري من سواحلها، حيث تتمتع بحقوق سيادية في استغلال الموارد لكن في بحر مغلق شبه مقفل مثل المتوسط، تتداخل هذه المناطق المطالَب بها بشكل كبير الحل النظري هو التفاوض على ترسيم الحدود ولكن، ماذا تفعل عندما لا تعترف دولة ما بوجود دولة أخرى (مثل تركيا مع قبرص اليونانية)؟ أو عندما تختلف حول وضع بعض الجزر الصغيرة ومدى تأثيرها في رسم الحدود (مثل النزاع التركي-اليوناني حول جزر بحر إيجة)؟ تركيا، التي لم توقع على اتفاقية ، ترفض منطق "المنطقة الاقتصادية الخالصة" المعتمد على الجزر، وتتبنى مفهوم "الجرف القاري" الذي يعطي وزناً أكبر للكتلة البرية الرئيسية، مما يوسع من منطقتها المطالب بها على حساب اليونان وقبرص هذا الرفض يخلق واقعاً قانونياً مزدوجاً وخطيراً فبينما تمنح مصر وإسرائيل وقبرص تراخيص للشركات العالمية (مثل إيني الإيطالية ونوفاتيك الروسية) للتنقيب في مناطق تعتبرها هي مياهها وفقاً لاتفاقيات ثنائية بينها، تعتبر تركيا هذه التراخيص باطلة وتطلق سفنها للتنقيب في نفس المناطق، مصحوبة أحياناً بسفن حربية لقد حول القانون من أداة لحل النزاع إلى سلاح في النزاع، حيث يستشهد كل طرف بالفقرات التي تدعم موقفه ويتجاهل الأخرى.


وفي هذا الزخم ، تظهر قوى خارجية لتعقيد المشهد أو ربما لحله فروسيا، من خلال شركاتها، تحاول الحصول على موطئ قدم في عملية الاستخراج والولايات المتحدة، التي تدعم بشكل تقليدي اليونان وقبرص، تحاول لعب دور الوسيط أحياناً لتحقيق استقرار يخدم مصالح حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، من جانبه، يفرض عقوبات على تركيا بسبب أنشطتها "غير القانونية" الأكثر خطورة هو تحول هذه المنافسة الاقتصادية إلى توتر عسكري مباشر فسفن البحرية التركية واليونانية تتناوش حول سفن التنقيب، والتحليقات الجوية تتكرر، والحوادث تكاد تصل إلى درجة الاشتباك الصراع على الغاز لم يخلق نزاعات جديدة، بل غذى نزاعات قديمة وأعطاها بعداً اقتصادياً حاداً وزاد من صعوبة حلها فقبرص، الجزيرة المقسمة منذ 1974، تجد أن اكتشاف الغاز حولها من محفز للوحدة إلى عامل تفكيك إضافي، حيث يدعم كل جانب مطالباته بحقه في ثروة الجزيرة كاملة.


في خضم هذا، يبرز سؤال مصيري: هل يمكن لقانون البحار أن يكون الإطار الحاكم، أم أن السياسة والقوة هما اللذان سيحكمان؟ هناك نجاحات جزئية تبعث على الأمل، مثل الاتفاق الذي وقَّعته مصر وقبرص وإسرائيل لإنشاء منتدى غاز شرق المتوسط، والاتفاقية التاريخية بين لبنان وإسرائيل عام 2022 بوساطة أمريكية لترسيم حدودهما البحرية، والتي أنهت نزاعاً طويلاً وفتحت الباب للتنقيب هذه النماذج تثبت أن التفاوض ممكن عندما تكون الإرادة السياسية موجودة وتتفوق على الخلافات القديمة لكنها تبقى استثناءات في بحر من الخلافات مستقبل شرق المتوسط يتوقف على ما إذا كانت الدول ستختار طريق التعاون لتحقيق منفعة مشتركة من خلال مشاريع مشتركة وخطوط أنابيب تربط الحقول بالأسواق، أم طريق التنافس العدائي الذي يحول البحر إلى برميل بارود الثروة تحت الأمواج يمكن أن تكون نعمة تجلب الاستقرار والازدهار للمنطقة بأكملها، أو يمكن أن تكون لعنة تزيد من تمزقها القانون الدولي يوفر الخريطة، لكن السياسيين المحليين والإقليميين هم من يجب أن يقرروا الطريق

تعليقات