الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني.
دراسة نقدية تحليلية.
شاع في هذا الزمان نزعة مريبة دخيلة، تكسو الظلم بثوب الرأفة، وتقدّم الشفقة على الظالم على حساب إقامة العدل، حتى صار من يطالب بالعقوبة يوصف بالقسوة والتعصّب، ويتّهم على أنه يفتقر إلى الضمير الإنساني، وطبعه الانفعال، ولا يستقرّ في ميزان الحقّ. كما يرى كثيرون أن العقوبة ضغينة لا تليق بإله وسعت رحمته كل شيء، فينحرفون إلى تأويل خطير يجعل الرحمة نقيضا للعدل، ويصوّر الغفران إلغاء للقانون، وكأنّ الإله سبحانه حين شرّع العقوبة قد خالف صفة من صفاته وهي الرأفة والرحمة، وحاشاه.
إن هذا الفهم يقوّض منظومة القيم برمّتها، لأن تطبيق العقوبة في حقيقتها رحمة عامّة، بينما الشفقة على الظالم نفاق يفضي إلى ظلم أعمق وأوسع ممّا قد يتصوّره العقل.
تظهر هذه الإشكالية بجلاء في السلوك الاجتماعي اليومي؛ أمّ تطالب بالعقوبة لابن جارتها، ثم تستدعي العاطفة نفسها لرفعها عن ابنها، فتلجأ إلى التحايل والوعود، وتقدّم ما يسمى “ضمانات أخلاقية” بأن الخطأ لن يتكرّر.
غير أن الواقع يفضح هذه الادعاءات؛ فالظلم حين يكافأ بعفو غير مستحقّ، يغدو سلوكا متأصّلا، وترتفع وتيرة التمادي، لأن الردع غاب، والمعيار الأخلاقي انهار.
فالرأفة التي تؤول إلى ظلم ممنوعة شرعا، لهذا جاء النص القرآني حاسما، قاطعا للطريق أمام العاطفة المنفلتة: وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ.
لم يرد النهي عن الرأفة عبثا، إلا أن القلوب تميل بطبعها إلى العفو عن القريب، وإلى العزيز، وإلى من تربطها به مودة أو نسب.
فالعقوبة هنا لا تفرّق بين قريب وبعيد، ولا تميّز بين قوي وضعيف، ولا تعرف شريفا أو وضيعا. فمنهج النبوّة: عدالة بلا استثناء ويبلغ هذا المبدأ ذروته في قول النبي محمد: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.
فهل كان محمد الرسول هنا قاسيا؟ وهو الذي وصفه الإله بالرؤوف الرحيم؟ أم أن الرأفة الحقّة عنده تأسّست على حماية المجتمع، وصون القيم، ومنع سقوط ميزان العدالة؟
لقد قدّم الرسول نموذجا أخلاقيا فريدا: المحبّة لا تعطّل شرع الإله، والنبوة لا تجمّد حكم الخالق، والرحمة لا تبرّر الظلم.
إن الشفاعة للظالم خيانة مركّبة: خذلان للحقّ، وإضرار بالمجتمع، وطعن في كرامة المظلومين الذين يدفعون ثمن حميّة عمياء. أما العقوبة، فهي السياج الوحيد القادر على صون الجماعة. وحين تطبّق كما شرّعها الإله، تستقيم الحياة، ويسود الأمان، وتصان الكرامة الإنسانية.
لماذا يجب أن تقع العقوبة على الظالم؟
لأن الظالم حين يفلت من المحاسبة لا يتوقّف الجرم عنده، ولكن يمتدّ أثره وتتسرّب طاقته الظلامية إلى محيطه. فإذا لم تقع العقوبة، انتقل العبء الأخلاقي للفعل إلى من رفضوا إنفاذها، فيتقمّصون السلوك نفسه الذي تساهلوا معه. فالزاني تتكرّر صورته فيمن دافع عنه، والسارق يستنسخ فعله في عائلته وذرّيته، والشاذّ المنحرف أخلاقيا يتوسّع فيهم، لأن التّساهل معه سمح للفعل أن يتجذّر حتى في أنفسهم ونسلهم.
ماذا يحدث للظالم إذا رفض تطبيق العقوبة؟
يتضاعف ما فيه من جرم بدلا من أن يتوقّف. فالخطأ الذي كان محدودا يتحوّل إلى سلوك دائم، والفعل الذي كان عارضا يغدو نمطا.
فمن انزلق في فاحشة الزنا مرّة، يستمرّ عليها بلا وازع، ومن ارتكب فاحشة اللواط دون رادع، يعتادها ويداوم عليها بثقة أعلى. ولا يقف الأثر عند الشخص نفسه، بل يطال محيطه الأسري، وينتقل الفساد إلى إرث اجتماعي، لا ينقطع إلا بقطع سببه، وسببه هو الإفلات من العقوبة.
إن المتدخّل من شيوخ الظلال والأقارب العقارب لمنع العقوبة يعدّ فعل مشاركة في تبعاتها؛ فالشافع الذي يتوسّط لتعطيلها، ويلتمس العفو لظالم، لا يقف أثر فعله عند حدود الإجراء القانوني، وإنّما يمتدّ إلى نتائجه الاجتماعية. فتعطيل المحاسبة يعيد إنتاج السلوك المؤذي ذاته داخل العائلة والمحيط الذي برّره أو حماه باسم القرابة أو الوجاهة، لأن الإفلات من الجزاء يحوّل الجريمة إلى فعل أكثر خبثا وقابلا للرسوخ، ويمنحها غطاءا أخلاقيا زائفا، حيث تصاب العدالة بالكساح، ويُمنح الظلم شرعيةً مقنّعة.
وفي الجرائم الجسيمة، ولا سيما تلك التي تمسّ الأطفال، يصبح العفو اعتداء ثانيا؛ إذ يترك المعتدي حرّا ليستمرّ في شذوذه، ويبقى الضحية بلا حماية، فتتفاقم آثار الأذى النفسي والاجتماعي، وتتّسع هوّة الضرر لتشمله ويتحوّل إلى شاذّ بدوره وتصيب العدوى الأسرة كلّها. أمّا حين يطالب الأولياء بتطبيق العقوبة، فإنّهم يضعون حدّا لهذه الفاحشة الشنيعة، ويحمون طفلهم الضحيّة من الانتهاك، ويسلمون هم بأنفسهم. ولا يدفعون الثمن باهظا وهو عدم انتقال الفاحشة إليهم.
الفرق هنا جوهري بين عفو يوقف الظلم، وعفو يشرّعه. الأول يعالج الخطأ ويمنع تواتره، والثاني يطلق الجريمة من قيودها، ويحوّلها إلى نمط رتيب، لأن الردع منعدم.
متى يكون العفو مشروعا؟
في حالة واحدة فقط: حين يغيب القصد، ويقع الفعل نتيجة خطأ غير متعمّد. كخطأ الرجل الواقع في حرمة الزنى في ظلمة الليل دون أن يعلم، أو السرقة بدافع الجوع القاهر، أو ارتكاب القتل الصادر في حال نوم وفقدان الوعي. هنا ينتفي الإثم، وتسقط العقوبة، لأن المسؤولية الأخلاقية لم تكتمل.
أما ما عدا ذلك، فالتّساهل في العفو تقويض للنظام الأخلاقي، وإلغاء للحدود الفاصلة بين الصواب والانحراف.
حين لا تقع العقوبة، تستيقظ الفتنة. يصير السلوك المنحرف مألوفا، ويستساغ ما كان مستهجنا. لذلك لا يجب أن تأخذكم بالظالم والزاني والسارق رأفة، وإن لم تفعلوا تحدث فتنة في الأرض وفساد عريض، ويصاب الجميع بالعدوى ويفعلون ما كان يفعل الظالم، ويتنزّل عليهم الغضب والسخط الالهي. كما جاء في الأثر: الفِتنةُ نائمةٌ لعنَ اللَّهُ مَن أيقظَها.
ما هي الفتنة؟ ومن يتحمّل عاقبة الإثم؟
الظالم يصير يمارس فاحشة الزنا واللواط على كلّ ذريّته وأبويه وإخوته، ستقولون وما ذنب أطفاله؟
كل من أبصر المنكر وسكت عنه، وكل من استهان بتعاليم الإله، وكل من قدّم العاطفة على الحقّ غدا مشاركا للأذى. فالتهاون لا يحمي الأبناء، بل يعرّض الأجيال للخطر، لأن الظلم حين لا يوقف، يتناسخ عبر الزمن.
وماذا لوكان أحد ذرّيته ملتزما بتعاليم الإله متديّنا؟ حتى الالتزام الفردي لا يكفي لوقف الأثر، إذا ظلّ الجرم بلا صدّ، ينتقل إلى أحفاد الظالم، لأنه إذا لم يعاقب الناس الظالم وكانوا على ضلالة، عليه هو أن يعاقب نفسه بنفسه، فإذا حدث ذلك، توقّف توارث الجرم فيه ونجت ذريّته منه وإلا تنتقل طباع الظالم إليهم.
ما نوع العقوبة التي يلقيها على نفسه إن لم يتمّ معاقبته من طرف الناس؟
في حالة ما إذا زنا فعليه أن يرجم حتى الموت. أما العقوبة في زنا المحارم هو قتلهما معا، وإلا يستمرّ ذاك الفعل في ذريّتهما، من حيث لا يدري. وهكذا...
،؛، إن تنفيذ العقوبة والوقوف مع الحقّ شرف لا يناله المنافقون ولا الظالمون، بل يمنحه الله لعباده الصالحين.،؛،
عندما تطبّق العقوبة على الظالم، يشعر الجلّاد براحة الضمير، أما إذا لم يتمّ ذلك، فتكون العواقب التي تنزل بهم وخيمة نتيجة التّساهل.
،؛،من يدافع عن الفاسق فهو فاسق.،؛،
السارق الذي يناصر السارق يؤيّد فعله لأنه هو نفسه يمارسه في الخفاء، والرجل الذي يدافع عن الزانية ليجنّب العقوبة عنها، يصبح شريكا في الفاحشة، لأنه يمنح الفعل أهلية استمراره ويؤخّر محاسبته، ولو لم يكن ذلك على الفور.
في حديث عن امْرأَة زنت وطلبت من
الرسول أن يرجمها حتى الموت،
فأَمَرَ بِهَا فرُجِمتْ، ثُمَّ صلَّى عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ، قَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْن سبْعِينَ مِنْ أَهْلِ المدِينَةِ لوسعتهُمْ وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنفْسهَا للَّهِ؟".
وقد شبّهت السيئات بالأوساخ، لأن تركها بلا تنظيف يفسد المكان كلّه. والعقوبة العادلة في هذا السياق تطهيرا للنظام الأخلاقي، وإعادة توازن للمجتمع.
ولهذا فإن إيقاف مهزلة العفو غير المستحقّ عن الظالم ضرورة أخلاقية، وردّ المظالم إلى أهلها واجب لا يسقط بالعاطفة المشبوهة. فمن سلم من الظلم يمشي مرفوع الرأس، أما من تلبّس به فيعيش قلقا متخفّيا، يلاحقه فعله، لأن الحقّ يطارده أينما حلّ وارتحل.

تعليقات
إرسال تعليق