القائمة الرئيسية

الصفحات

دور محكمة العدل الدولية في فض النزاعات الإقليمية


بقلم الدكتور. احمد صفوت السنباطي 


تعد محكمة العدل الدولية في لاهاي كصرح قضائي فريد، فهي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، ولكنها تعمل في عالم غالباً ما يكون كلمة السياسي والجندي هي الأعلى صوتاً في النزاعات الإقليمية الحادة، تلك التي تشتعل حولها المشاعر الوطنية وتتداخل فيها خطوط التاريخ مع المصالح الجيوسياسية، حيث ُينظر إلى المحكمة على أنها ملاذ أخير للعقل والقانون لكن اختبار دورها الحقيقي وفعاليتها يأتي من خلال حالات معقدة ومتفجرة مثل قضية الصحراء الغربية وجزر القرم، حيث تُختبر قدرة القانون الدولي على فرض منطق واقع القوة والاحتلال في هاتين القضيتين، قدمت المحكمة آراء استشارية وأحكاماً حاولت فيها أن ترسم خطاً قانونياً واضحاً، لكن الفجوة بين هذا الخط المرسوم على الورق والواقع على الأرض تكشف عن المأزق الوجودي الذي تواجهه العدالة الدولية في مواجهة النزاعات الإقليمية المسلحة.

في قضية الصحراء الغربية، طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة رأياً استشارياً من المحكمة عام 1975، وسألتها بشكل أساسي هل كانت الصحراء الغربية أرضاً بلا مالك وقت استعمارها من قبل إسبانيا وإن لم تكن كذلك، فما هي الروابط القانونية التي كانت تربط هذه الإقليم بمملكة المغرب وبمجموعة "الماوري" (المجموعة القبلية التي تدعي موريتانيا رابطتها بها) كانت الإجابة القانونية للمحكمة واضحة وحاسمة فقررت أن الصحراء لم تكن أرضاً بلا مالك، وأنه كانت تعيش فيها قبائل تتمتع بدرجة من التنظيم الاجتماعي والسياسي كما انها أقرت بوجود بعض الروابط القانونية للبيعة بين بعض القبائل الصحراوية وسلطان المغرب، لكنها خلصت إلى أن هذه الروابط لم تكن من النوع الذي يمنح السيادة الإقليمية للمغرب على الصحراء الغربية وبالتالي، أكدت على مبدأ تقرير المصير للشعب الصحراوي هذا الرأي كان انتصاراً قانونياً للجبهة ومناصري حق تقرير المصير، وأصبح الأساس القانوني لمسار الأمم المتحدة الذي لا يزال قائماً حتى اليوم، قائم على إجراء استفتاء ولكن بعد عقود، ماذا نرى الواقع السياسي المتجمد، حيث تدير المغرب فعلياً معظم الإقليم وتعتبره جزءاً لا يتجزأ من المملكة، بينما تعترف العديد من الدول بجمهورية الصحراء المعلنة من طرف واحد، وتستمر المناوشات الدبلوماسية والعسكرية المحدودة المحكمة رسمت الطريق القانوني، لكنها لم تكن تملك، ولا تملك، الأدوات لفرض السير فيه فالقرار النهائي بقي رهين إرادة الأطراف وموازين القوى الإقليمية والدولية، مما يحول الرأي الاستشاري إلى وثيقة قانونية قوية تستشهد بها الأطراف في صراعها الدبلوماسي، لكنها ليست حكماً نافذاً ينهي النزاع.

وفي قضية أكثر سخونة، وهي قضية جزر القرم، جاء دور المحكمة بشكل مختلف ولكن النتيجة من حيث الفجوة بين القانون والواقع كانت مأساوية مماثلة فبعد ضم روسيا للقرم في 2014، رفعت أوكرانيا دعوى ضد روسيا أمام محكمة العدل الدولية ليس حول الضم ذاته مباشرة (لأن ذلك قد يعتبر نزاعاً سياسياً لا تقبل به روسيا ولاية المحكمة بسهولة)، ولكن تحت ستار اتهامات بانتهاكات اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، متهمة روسيا بدعم المتمردين في شرق أوكرانيا وبالتمييز ضد التتار والأوكرانيين في القرم. في 2017، أصدرت المحكمة قراراً بأغلبية 13 صوتاً مقابل 3، رفضت فيه طلب أوكرانيا الأولي لفرض تدابير مؤقتة لوقف تمويل المتمردين، لكنها أمرت روسيا بضمان عدم تعطيل الأنشطة التعليمية والثقافية للجالية الأوكرانية في شبه الجزيرة. كان هذا القرار اعترافاً غير مباشر بوجود نزاع له أبعاد قانونية دولية، ورفضاً لموقف روسيا الذي كان ينكر أساساً اختصاص المحكمة لكن مرة أخرى، ما هو تأثير هذا الحكم على الأرض لقد تجاهلته روسيا تماماً، واستمرت في سياساتها، وزادت من سيطرتها على القرم، بينما استخدمت أوكرانيا القرار كأداة في حملتها الدبلوماسية لعزل روسيا المحكمة، مرة أخرى، وجدت نفسها عاجزة عن تنفيذ حكمها في مواجهة دولة كبرى تملك حق النقض في مجلس الأمن وتستعد لشن حرب واسعة النطاق لاحقاً.

هاتان القضيتان تكشفان أن دور محكمة العدل الدولية في النزاعات الإقليمية هو دور "مُعرِّف" و "مُؤطر" أكثر منه دور "حاسم" فالمحكمة تستطيع أن تحدد وضعاً قانونياً، أن تفسر المعاهدات، أن تصدر أحكاماً بالتدابير المؤقتة هذه القرارات تكون ذات وزن أخلاقي وقانوني هائل، وتشكل مرجعية دائمة في القانون الدولي، وتُسقط الحجج القانونية الواهية لأطراف النزاع لكنها، في غياب آلية تنفيذ قسرية مستقلة حيث يعتمد التنفيذ على مجلس الأمن الذي تتحكم فيه القوى العظمى تتحول أحكامها إلى أسلحة في الحرب الدبلوماسية والرواية، لا إلى صكوك تغير الواقع الميداني قوتها الحقيقية تكمن في الشرعية الطويلة الأمد التي تمنحها للقضية، وفي تحويل النزاع السياسي العاطفي إلى سجال قانوني يمكن مناقشته بأدلة وحجج وهي بذلك، رغم عجزها الظاهري، تبقى حاجزاً أخيراً ضد فكرة أن "القوة تصنع الحق"، وتذكيراً دائماً بأن هناك، في مكان ما من العالم، محكمة يمكن أن تقول للقوي خطابك القانوني خاطئ قد لا توقف الدبابات، لكنها تمنعها من الادعاء بأن القانون يقف إلى جانبها في عالم يزداد انقساماً، يبقى هذا الدور، رغم كل محدوديته، ثميناً ولا غن

ى عنه.

تعليقات