دكتورة مريم علام
دكتوراة القانون المدني ومدير وحدة رعاية الوافدين كلية التربية جامعة طنطا.
"احيانا الخوف مش من الرفض نفسه… لكن من فقدان صورتنا المثالية في عيون الناس"
ليس كل سجن تغلق ابوابه بالحديد، فثمة سجون تبنى داخل الوعي، وتدار بالخوف، ويحكم اغلاقها بنظرة المجتمع.
الخوف من الرفض الاجتماعي هو احد اخطر هذه السجون، لانه لا يرى، ولا يدان، بل يمارس بوصفه حكمة اجتماعية او حرصا على السلامة. غير ان اثره العميق يمتد ليصوغ السلوك، ويعيد تشكيل الهوية، ويقيد حرية الاختيار.
الخوف كالية ضبط اجتماعي
في المجتمعات التقليدية وشبه المحافظة، لا يفرض الامتثال بالقوة المباشرة، بل بالخوف من النبذ. الفرد لا يخشى العقاب القانوني بقدر ما يخشى فقدان القبول، لان القبول الاجتماعي يمثل احدى ركائز الامان النفسي.
ومع الوقت، يتحول هذا الخوف الى ما يشبه الرقابة الذاتية، حيث يسبق التفكير في راي المجتمع التفكير في الراي الشخصي، وتعدل القناعات قبل ان تعلن، وتواد الاسئلة قبل ان تطرح.
هنا، لا يعود المجتمع بحاجة الى قمع ظاهر، لان الفرد ذاته يتكفل بدور الرقيب، حفاظا على موقعه داخل الجماعة.
ظاهرة نفسية ام مشكلة ثقافية؟
رغم ان الخوف من الرفض يرتبط نفسيا بمفهوم القلق الاجتماعي، فان جذوره اعمق من مجرد اضطراب فردي.
نحن امام ظاهرة ثقافية تتغذى على منظومة قيم تعلي من الامتثال وتجرم الاختلاف، وتربط القبول بالتماهي لا بالاستقلال.
الطفل الذي يكافا على الطاعة لا على السؤال، والطالب الذي يلام على الخطا لا على المحاولة، والموظف الذي يعاقب على المبادرة لا على الجمود، جميعهم يتلقون رسالة واحدة:
السلامة في التشابه، والخطر في الاختلاف.
لماذا الخوف من الرفض اشد الما من الرفض ذاته؟
لان الرفض حدث عابر، بينما الخوف منه حالة دائمة.
الرفض قد يواجه مرة واحدة، اما الخوف منه فيعاش كل يوم، في كل قرار، وكل تفاعل، وكل لحظة تردد.
الخوف المزمن يفقد الانسان قدرته على التعبير الصادق، ويحول حياته الى سلسلة من الحسابات الاجتماعية:
ماذا سيقال؟ كيف سيفسر؟ من سيغضب؟ من سينتقد؟
وبذلك، يستبدل سؤال:
"ما الذي اريده؟"
بسؤال اخر:
"ما الذي سيقبل مني؟"
تجليات السجن غير المرئي في الواقع المصري
يتجلى الخوف من الرفض في تفاصيل الحياة اليومية اكثر مما يظهر في الشعارات الكبرى.
في التعليم، حيث يفضل الطالب المطيع على الطالب الناقد.
في بيئة العمل، حيث تكافا السلامة لا الجرأة.
في العلاقات الاجتماعية، حيث يقدم الاستقرار الشكلي على الصدق العاطفي.
وفي الفضاء الرقمي، حيث تصاغ الهويات وفق معايير الاعجاب والتفاعل، لا وفق الحقيقة.
حتى الاختيارات الشخصية، من نمط الحياة الى القرارات المصيرية، كثيرا ما تتخذ تحت ضغط الصورة الاجتماعية لا القناعة الذاتية.
السياق المصري: الخصوصية والتراكم
في المجتمع المصري، يتضاعف هذا الخوف بفعل اعتبارات متشابكة:
التركيبة الاسرية، ثقل كلام الناس، الخلط بين السمعة والاخلاق، وبين الاختلاف والخطر.
كل ذلك يخلق بيئة تعلي من التكيف الاجتماعي اكثر مما تعلي من الصدق مع الذات.
ليس غريبا، اذن، ان نرى افرادا ناجحين ظاهريا، لكنهم مترددون داخليا، او يشعرون بانهم يعيشون حياة لا تشبههم تماما.
الخوف من الرفض كعنف رمزي
يمكن اعتبار الخوف من الرفض شكلا من اشكال العنف الرمزي.
فهو لا يمارس بالقهر المباشر، بل بالتطبيع.
الفرد لا يجبر على الصمت، بل يقنع بان الصمت فضيلة.
ولا يمنع من الاختلاف، بل يخوف من تبعاته.
انه عنف ناعم، ينتج الامتثال دون مقاومة، ويجعل الضحية شريكا في استمرار المنظومة.
وفي هذا السياق، يعد بيير بورديو Pierre Bourdieu من ابرز المفكرين الذين تناولوا مفهوم العنف الرمزي وتحليل الياته وعواقبه.
اذ يرى ان العنف الرمزي ليس موقفا عدائيا ظاهرا، بل الية يجعل فيها المجتمع ضحاياه هم الذين يعترفون بشرعية هيمنته على حياتهم اليومية، ويعيدون انتاجها داخل ذواتهم دون وعي.
الخوف من الرفض الاجتماعي ليس عيبا فرديا، بل نتيجة طبيعية لبنية ثقافية تفضل الانسجام على الحقيقة.
لكن استمرار هذا الخوف دون مساءلة، يحوله من اداة حماية الى اداة قمع ذاتي.
وفي النهاية،
الحرية لا تبدا بمواجهة
المجتمع،
بل تبدا حين يتوقف الانسان عن معاقبة نفسه خوفا من نظرة الاخرين.

تعليقات
إرسال تعليق