بقلم. الدكتورة عطيات صبحي
في كثير من المؤسسات الصحية، يمكن للزائر أن يرى كل ما يدل على وجود نظام جودة متكامل:
سياسات مكتوبة، لجان قائمة، خطط واضحة، تقارير دورية، وشهادات اعتماد معلّقة في أماكن بارزة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء، وبإلحاح في الوقت نفسه:
هل تصنع هذه المنظومة فرقًا حقيقيًا في الخدمة المقدَّمة؟
ليس من السهل طرح هذا السؤال، لأنه يمس جوهر ما نعمل عليه منذ سنوات في مجال الجودة والتأهيل.
لكنه سؤال ضروري، لأن الجودة التي لا تنعكس على الواقع اليومي للمريض والعامل، تظل ناقصة مهما اكتملت أطرها.
من بناء الأنظمة إلى صناعة الأثر
كثير من المؤسسات نجحت في بناء أنظمة جودة من الناحية الشكلية:
الهياكل موجودة، والمسؤوليات محددة، والإجراءات موثقة.
لكن التحدي الحقيقي لم يعد في إنشاء النظام، بل في تحويله إلى أداة تأثير.
فالفرق كبير بين مؤسسة تمتلك نظامًا،
ومؤسسة يعمل نظامها.
في الأولى، الجودة حاضرة في الملفات.
وفي الثانية، الجودة حاضرة في القرار، وفي السلوك، وفي تفاصيل الخدمة اليومية.
الجودة حين تُختزل في الامتثال
حين تُدار الجودة بمنطق “المطلوب تنفيذه”، تتحول تدريجيًا إلى عبء إداري.
تُنجز الإجراءات لأن اللائحة تطلب ذلك، لا لأن الفريق يرى فيها قيمة مضافة.
ومع الوقت، تتشكل فجوة غير معلنة بين النظام وبين الواقع العملي.
هذه الفجوة لا تُصنَّف كعدم مطابقة،
ولا تُرصد في تقارير الزيارات،
لكنها تظهر في:
تكرار نفس المشكلات
بطء التحسين
ضعف التفاعل مع المبادرات الجديدة
وشعور العاملين بأن الجودة شيء منفصل عن العمل الحقيقي
أين يتعثر المسار؟
يتعثر مسار الجودة غالبًا ليس في بدايته، بل في منتصف الطريق.
بعد مرحلة الحماس الأولى، وبعد اكتمال الهياكل، تبدأ التحديات الأعمق في الظهور:
حين لا تجد الفرق وقتًا كافيًا للتأمل والتعلّم من الأخطاء.
حين تتغير القيادات، وتتغير معها الأولويات.
حين يصبح الحفاظ على الاستقرار أهم من دفع عجلة التطوير.
في هذه اللحظة، لا تنهار منظومة الجودة،
لكنها تتجمّد.
وتتحول من مسار ديناميكي إلى إطار ثابت لا يتطور.
الجودة بلا روح
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نظام جودة هو أن يفقد روحه.
أن يبقى قائمًا في الشكل، غائبًا في التأثير.
أن يُدار بعقلية الإجراءات، لا بعقلية التحسين.
الجودة الحقيقية لا تُقاس بعدد النماذج،
ولا بعدد الاجتماعات،
ولا حتى بعدد الزيارات الناجحة.
بل تُقاس بسؤال بسيط:
هل أصبح العمل أسهل؟
هل أصبحت الأخطاء أقل؟
هل أصبح المريض أكثر أمانًا؟
هل أصبح الفريق أكثر ثقة في ما يفعله؟
استعادة المعنى
استعادة المعنى الحقيقي للجودة لا تحتاج إلى إعادة بناء كل شيء من جديد،
بل تحتاج إلى إعادة توجيه البوصلة.
أن ننتقل من:
تنفيذ المتطلبات
إلى
تحقيق الأثر
ومن:
إدارة الجودة كوحدة مستقلة
إلى
إدارة المؤسسة بعقلية الجودة
حينها فقط، يتوقف السؤال عن:
“هل نحن ملتزمون بالمعايير؟”
ويحل محله سؤال أعمق:
“هل نحن نصنع فرقًا حقيقيًا؟”
الصورة التي نطمح إليها
في الصورة التي نطمح إليها،
لا تكون الجودة مشروعًا موازيًا للعمل،
بل تكون هي طريقة العمل نفسها.
لا يشعر الفريق أنه يلبس “قبعة الجودة” في وقت محدد،
ثم يخلعها بعد انتهاء المهمة.
بل يمارس الجودة تلقائيًا، لأنه يرى أثرها، ويؤمن بقيمتها.
وتصبح الزيارات محطات مراجعة،
لا مواسم استنفار.
وتتحول الشهادات إلى نتائج طبيعية لمسار صحيح،
لا غاية تُستهلك من أجلها الطاقات.
خاتمة
ربما نحتاج اليوم إلى شجاعة مهنية لنسأل أنفسنا:
هل نمارس الجودة… أم نديرها فقط؟
لأن الفارق بين الاثنين هو الفارق بين نظام حيّ،
ونظام قائم بلا أثر.
وحين ننجح في تحويل الجودة من إطار تنظيمي إلى قوة تغيير حقيقية،
نكون قد تجاوزنا أخطر مرحلة في رحلة التأهي
ل…
مرحلة الاكتفاء بالشكل،
ووصلنا إلى جوهر الرسالة التي بدأنا من أجلها هذا الطريق.

تعليقات
إرسال تعليق