بقلم د. قياتي عاشور
"داري على شمعتك تقيد".. مثل شعبي مصري عتيق، تربينا عليه كقاعدة ذهبية للنجاة من عيون الحاقدين. لكننا اليوم، وفي مفارقة سوسيولوجية صارخة، نعيش عصر "فضح الشمعة" بدلاً من مداراتها.
نحن محاصرون بين رغبتين متناقضتين تتصارعان داخل النفس الواحدة: رغبة جارفة في "الاستعراض" ومشاركة لحظات النجاح والسفر والرفاهية عبر منصات التواصل، ورغبة موازية -ومذعورة- في الاحتماء من "الحسد" وعيون المتابعين.
من منظور علم الاجتماع، نحن لا نشهد اختفاءً للمعتقدات الشعبية أمام سطوة التكنولوجيا، بل نشهد ما يمكن تسميته بـ "رقمنة الخرافة". لقد انتقل الخوف من "العين" من الحيز الفيزيائي الضيق (الجيران والأقارب) إلى حيز افتراضي لا نهائي. قديماً، كنت تخشى عين جارك الذي يراك، أما اليوم، فأنت معرض لعيون آلاف "المتلصصين الصامتين" الذين يراقبون "الستوري" الخاصة بك من خلف شاشات باردة، لا تعرف نواياهم ولا طاقة نفوسهم.
هذا "الانكشاف الرقمي" دفع المصريين لابتكار آليات دفاعية جديدة، هي بمثابة "تمائم إلكترونية" بديلة عن الخرزة الزرقاء التقليدية وتشريحة البخور. تأمل معي سلوك الأم التي لا تقاوم رغبتها في نشر صورة طفلها الوليد لتجمع "اللايكات"، لكنها في اللحظة ذاتها تضع "إيموجي" ضخمًا على وجهه ليخفي ملامحه! أو العروس التي تنشر صورة يدها متشابكة مع يد عريسها فقط، مع تعليق ديني "قل أعوذ برب الفلق"، أو الشاب الذي يعلن عن وظيفة جديدة بجملة مقتضبة "الحمد لله" دون أي تفاصيل، خوفاً من أن "تطير" الفرصة.
نحن هنا أمام حالة من "الفصام الاجتماعي". نحن نريد "التقدير الاجتماعي" الذي تمنحه لنا التفاعلات والتعليقات، لكننا نرتعب من "الضريبة" التي قد ندفعها من استقرارنا النفسي. ولأننا نعلم -في قرارة أنفسنا- أن ما ننشره هو "أنصاف حقائق" وصور منقوصة ومجمّلة (فلتر)، فإننا نخشى أن يحسدنا الناس على "الصورة المزيفة" التي صدرناها لهم، لا على واقعنا الحقيقي الذي قد يكون مليئاً بالمتاعب.
إن خطورة هذا السلوك لا تكمن في الخوف من الحسد بحد ذاته، فهو حق مذكور في الأديان، بل تكمن في تحول حياتنا إلى "واجهات عرض" زجاجية هشة. نحن نعيش في قلق دائم من أن ينكسر الزجاج، فنبذل طاقة نفسية هائلة في "التورية" و"الإخفاء" و"التحصين الإلكتروني".
ربما الحل الحقيقي ليس في تغطية وجوه أطفالنا بالملصقات، ولا في كتابة الآيات القرآنية كـ "هاشتاج" للحماية، بل في التصالح مع فكرة أن "السعادة" ليست سلعة للعرض العام، وأن الأمان النفسي لا يتحقق بـ "إخفاء الستوري" عن البعض، بل بالاكتفاء الذاتي والرضا الداخلي، بعيداً عن صخب العالم الافتراضي الذي لا يرى من الحقيقة إلا قشرتها الخارجية اللامعة.

تعليقات
إرسال تعليق