القائمة الرئيسية

الصفحات

صرخة قلم: تربية العطاء أم ثقافة الأخذ؟

صرخة قلم: تربية العطاء أم ثقافة الأخذ؟


بقلم الدكتورة هبة المالكي مدرس أصول الفقة  بالمنصورة بجامعة الازهر 


​يكتب القلم اليوم بدموع الآباء الذين لم يبخلوا يوماً بقطرة عرق، والأمهات اللاتي نسجن من صحتهن أغطية دافئة لأبنائهن، ليجدوا أنفسهم في أرذل العمر يواجهون جداراً من الجحود والقسوة. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل سقطت القيم من تلقاء نفسها، أم أننا زرعنا في التربة بذوراً لم نحسب عواقبها؟

​الخلل التربوي: حين نغرس "الأنا"

​إن الجانب التربوي هو المفتاح؛ فكثير منا وقع في فخ "التربية الخدمية" بدلاً من "التربية القيادية". لقد أخطأنا حين رفعنا شعار "لا أريد لأولادي أن يحتاجوا لشيء"، فمنحناهم كل شيء دون مقابل، حتى توهم الأبناء أن عطاء الأبوين قانون طبيعي كالهواء، لا يستوجب الشكر ولا يترتب عليه واجب.

​لقد علمناهم كيف يستهلكون الحياة، ولم نعلمهم كيف يقدسون اليد التي تعطي. والنتيجة؟ جيل نشأ بقلب مريض بـ "الأنا"، لا يرى في انحناء ظهر أبيه إلا عجزاً يزعجه، ولا في تجاعيد أمه إلا عبئاً يثقله، متأثراً بانفتاح عالمي يقدس الفردية ويهمش الروابط الأسرية.

​المنهج النبوي: التربية على المسؤولية والوفاء

​لم يكن النبي ﷺ يربي أصحابه على التواكل، بل على تعظيم قدر المعروف. يقول ﷺ: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس"، فكيف بمن كانا سبب وجوده؟

​وفي الجانب التربوي العملي، نجد الوفاء النبوي متجلياً في تعامله مع "أم أيمن" التي ربته صغيراً، فكان يقول عنها: "هذه أمي بعد أمي"، وكان يكرمها غاية الإكرام. هذا الدرس التربوي يعلمنا أن البر ليس مجرد شعور، بل هو "سلوك" يُغرس بالقدوة والممارسة منذ الصغر، بأن يرى الطفل أباه يقبل يد جده، وأمه تخدم جدته بحب.

​العودة للأصل: "خفض الجناح" منهج حياة

​إن التربية الصحيحة يجب أن تزرع في الطفل أن "الجمال يأتي بالجهد"، وأن رضا الله معلق برضا الوالدين. يقول تعالى: "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ".

تأمل كلمة "الذل" هنا؛ إنها أرقى أنواع التربية النفسية التي تكسر كبرياء الشباب أمام ضعف الوالدين، ليعلم الابن أن قوته ما هي إلا استثمار لضعف والده القديم، وأن شبابه عارية من صحة أمه.

​ختاماً..

إن إصلاح هذا الخلل يبدأ من إعادة صياغة مفهوم "الابن البار" في بيوتنا؛ ليس هو من يسمع الكلام فقط، بل هو من يتعلم الإيثار. علينا أن نعلمهم أن من عاش لنفسه مات وحيداً، وأن البر دَيْنٌ ووفاء. فإذا رجع الأبناء لدينهم، وجدوا وجوب البر بالوالدين قال تعالى: "أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ".

تعليقات