كتب/ أيمن بحر
الضربة المحتملة على إيران لم تعد مجرد تسريبات أو حرب تصريحات عابرة بين واشنطن وطهران بل أصبحت مشهدا متكاملا لإعادة رسم خرائط الاشتباك فى الشرق الأوسط فخلال الأيام الماضية تراكمت مؤشرات سياسية وعسكرية تؤكد أن المنطقة تقف على حافة مرحلة جديدة عنوانها التصعيد المحسوب وليس الانفجار المفاجئ
التحركات الأمريكية الأخيرة وعلى رأسها الدفع بقوة بحرية ضخمة إلى المنطقة بقيادة حاملة الطائرات أبراهام لينكولن تعكس انتقال واشنطن من منطق الضغط السياسى إلى الجاهزية العملياتية هذا الوجود العسكريى لا يعنى بالضرورة قرارا فوريا بالهجوم لكنه رسالة واضحة بأن كل الخيارات باتت مطروحة من الردع التدريجي وحتى الضربة المحدودة إذا خرجت الأمور عن السيطرة
فى المقابل جاء الرد الإيرانى حادا وقاطعا حيث أكدت طهران أن أي ضربة أمريكية مهما كان حجمها ستعتبر إعلان حرب شامل هذا التصعيد اللفظي ليس مجرد خطاب داخلى بل جزء من عقيدة الردع الإيرانية التى تسعى إلى رفع كلفة القرار الأمريكى نفسيا وسياسيا قبل أن يكون عسكريا
التصعيد لم يقتصر على طرفى المواجهة فإسرائيل رفعت من درجة جاهزيتها تحسبا لأى تطور قد يطال عمق إيران أو يستجلب ردا عبر الجبهات المحيطة بها بينما تراقب دول الخليج المشهد بحذر بالغ إدراكا منها أن أى شرارة قد تنعكس مباشرة على أمن الطاقة واستقرار الأسواق وهو ما يفرض عليها موازنة دقيقة بين الاستعداد الدفاعى وتفادى الانجرار إلى مواجهة مفتوحة
القراءة الأعمق للموقف الأمريكي تشير إلى أن واشنطن لا ترى فى الحل العسكرى مخرجا نهائيا للأزمة لكنها فى الوقت ذاته قلقة من استمرار الاضطرابات الداخلية فى إيران ومن استخدام الملف النووى كورقة ضغط إقليمية ودولية لذلك يظهر الخيار العسكرى كأداة لفرض تكلفة وليس كغاية بحد ذاته فى محاولة لإعادة ضبط السلوك الإيرانى دون الانزلاق إلى حرب شاملة
الداخل الإيرانى يمثل عاملا بالغ الحساسية فى هذه المعادلة فالاحتجاجات الواسعة الناتجة عن الانهيار الاقتصادى وتراجع العملة خلقت ضغطا غير مسبوق على النظام ومع تصاعد الاتهامات الدولية بعمليات القمع وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا باتت القيادة الإيرانية أمام معادلة معقدة تجمع بين التحدى الخارجى والغليان الداخلى
القلق الدولي تجاوز الأطر السياسية ليصل إلى القطاعات المدنية والاقتصادية حيث بدأت شركات طيران عالمية في تعديل مساراتها أو إلغاء رحلاتها فوق المنطقة وهو ما يعكس حجم المخاوف من أي تطور مفاجئ قد يربك حركة التجارة والطيران والطاقة على مستوى العالم
السيناريوهات المطروحة أمام دوائر صنع القرار متعددة تبدأ من صدام محدود بضربات دقيقة وردود غير مباشرة عبر وكلاء مروراً بتوسيع دائرة التصعيد وصولا إلى احتمال المواجهة المفتوحة وهو الخيار الأخطر والأبعد في الوقت ذاته كما يبقى احتمال التراجع في اللحظة الأخيرة قائما إذا ما تجاوزت كلفة الضربة عوائدها السياسية والعسكرية
في المحصلة المشهد الحالي لا يمكن تصنيفه كتهويل ولا كطمأنة بل كمرحلة تكتيكية متقدمة في صراع طويل الولايات المتحدة ترفع مستوى الجاهزية دون إعلان الحرب وإيران تلوح برد حاسم والقوى الإقليمية تراقب وتعيد الحسابات بينما تدور المعركة الحقيقية الآن في مساحات السياسة والاقتصاد والرسائل الاستراتيجية قبل أن تصل إلى ساحة النار

تعليقات
إرسال تعليق