بقلم الأديب د : كامل عبد القوى النحاس
المقال الثالث:
لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى
لم يكن المعراج رحلة استعراض ولا انتقالًا لخرق الكون
بل كان كشفًا ربانيًا مخصوصًا لعبدٍ اصطفاه الله ليريه من آياته ما يثبت قلبه ويؤهله لحمل أمانة ثقيلة ويضع الإنسانية أمام حد فاصل بين الإيمان بالغيب والتعلق بالمحسوس
فالقرآن لم يقل فأُعطي ولا فرأى كل شيء
بل قال بدقة متناهية:
لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى
رأى من الآيات لا كلها فالمقام مقام تعريف لا إحاطة
وتكريم لا كشف مطلق
أولًا: الرؤية لا الوصف
لم يصف لنا القرآن تفاصيل ما رآه النبي ﷺ ولم يفتح باب الخيال البشري ليجول فيما وراء الحد
لأن المقصود تحقيق اليقين في قلب النبي لا إشباع فضول العقول
فالآيات الكبرى لم تُروَ بتفصيل ولم تُجعل مادة للجدل ولم تُحوّل إلى مشاهد للتخيّل
بل تُركت في إطارها القرآني المهيب رؤية حقّة ثابتة صادقة
ثانيًا: تثبيت القلب قبل تكليف الأمة
جاء المعراج بعد مرحلة شديدة القسوة أذى وحصار وفقد وسخرية فكان الاطلاع على بعض آيات الله الكبرى تثبيتًا للنبي ﷺ قبل أن يكون تشريفًا له
وكأن المعنى يقول:
من سيقود البشر لا بد أن يرى بعين اليقين ما لا يراه غيره
ومن سيحمل الوحي إلى الأرض لا بد أن يُفتح له من الغيب ما يربط قلبه بالسماء
ثالثًا: مقام العبودية لا مقام الادعاء
رغم علو المقام بقي الوصف القرآني ثابتًا: فأوحى إلى عبده ما يوحى
فى الإسراء بعبده وفى المعراج إلى عبده فالعبودية لازمة لا تنفك عنه
لم يتحول النبي ﷺ إلى كائن فوق بشري ولم تُنسب إليه القدرة بل نُسب الفعل كله لله
فما رآه ﷺ لم يكن بطلب ولا باختيار ولا بقدرة ذاتية بل كان اصطفاءً محضًا ومنحة ربانية ضمن حدود العبودية الكاملة
رابعًا: الحد الفاصل بين الإيمان والتكذيب
كما كان الإسراء امتحانًا كان المعراج ميزانًا أدق
فمن آمن به سلّم للغيب ومن أنكره لم يكن إنكاره لعدم الدليل
بل لرفض ما لا تدركه الحواس
وهنا يتمايز الناس بين عقل يقف عند المرئي وقلب يصدق خبر السماء
فالإيمان ليس تعطيلًا للعقل بل تسليمًا لما فوق مداه
خامسًا: فلسفة رؤية الأنبياء
رؤية الأنبياء ليست اطلاعًا لإشباع الفضول ولا كشفًا يرفع الحجاب كله بل تعريفًا ربانيًا بقدر الحاجة الرسالية فالأنبياء يُرون لزيادة اليقين لا لزيادة الوصف ويُكشف لهم ليُثبتوا لا ليُفتنوا
ولهذا لم تُنقل الرؤية بتفصيل ولم تتحول إلى مادة تخييل ولم تُجعل معيار فضل بين الناس
فالرؤية عند الأنبياء وظيفة لا امتياز شخصي
المقصود الأثر لا الصورة وترسيخ اليقين لا زخرفة البيان
سادسًا: لماذا الآيات الكبرى
لأن ما رآه النبي ﷺ لم يكن تفصيلًا جزئيًا
بل دلائل عظمى على كمال القدرة الإلهية وإحاطة العلم واتساع الملك ودقة النظام
رأى ما يكفي ليعلم أن ما أُمر به حق
وأن الطريق مهما طال فله نهاية عند الله
سابعًا: سدرة المنتهى وجنة المأوى
بلغ النبي ﷺ سدرة المنتهى وهي ليست مكانًا فحسب بل منتهى ما يُؤذن للبشر أن يبلغوه من المعرفة
عندها ينتهي البيان ويقف الوصف وتسكت اللغة
قال تعالى: عندها جنة المأوى
فكان المعنى أقصى ما يصل إليه الإنسان من القرب يكون مقرونًا بالمأوى لا بالامتلاك وبالسكينة لا بالتحكم وبالتسليم لا بالادعاء
سدرة المنتهى تعلم الإنسان أن ما بعدها غيب خالص وما دونه تكليف وأمانة
وأن القرب لا يعني الإحاطة
ثامنًا: ما زاغ البصر وما طغى
وفي هذا مقام الجليل يقرر القرآن حقيقة فاصلة:
ما زاغ البصر وما طغى
لم يمل البصر إلى ما لم يُؤذن له
ولم يتجاوز الحد
ولم يطلب زيادة بلا إذن
وهذا هو كمال العبودية أن ترى ولا تزيغ
وأن تُكرم ولا تطغى
وأن تبلغ أقصى القرب ولا تتجاوز قدرك
تاسعًا: الرؤية في ميزان التوحيد
لم يُخرج المعراج النبي ﷺ من مقام العبودية
ولم يرفعه فوق التكليف
ولم يحوّله إلى ذات مستقلة عن الأمر والنهي
بل عاد كما بدأ عبدًا مأمورًا مكلَّفًا
وفي هذا درس للأمة
كل دعوى قرب تُسقط الشريعة فهي وهم
وكل معرفة تُلغي الأمر والنهي فهي زيغ
التوحيد الحق يُثمر خضوعًا لا تحللًا
عاشرًا: ذروة المقال وخاتمته
لقد رأى النبي ﷺ من آيات ربه الكبرى
فرأى بعين التوحيد
وثبت بميزان العبودية وعاد بالأمانة لا بالادعاء
فكانت الرؤية تعريفًا لا إحاطة وقُربًا لا امتلاكًا وتكريماً لا طغيانا
بلغ النبي ﷺ سدرة المنتهى وثبت بصره وسكن قلبه وحُفظ التوحيد
فلم يكن سؤال النهاية: ماذا رأى؟
بل: ماذا أُعطيت الأمة؟
وهنا وحده يكتمل المعنى ويُفتح الباب طبيعيًا لهدية السماء لتكون مسك ختام السلسلة
في المقال الرابع:
نقف عند هدية السماء التي تُرجمت
بها هذه الرؤية إلى عمل وجُعلت بها الصلة دائمة بين الأرض والسماء... الصلاة !!

تعليقات
إرسال تعليق