القائمة الرئيسية

الصفحات

سعد زغلول يكتب لجريدة الأخبار


احترام الكبير ولكن أين احترام الصغير؟


اعتادت مجتمعاتنا على ترديد عبارة: “الصغير يحترم الكبير” حتى أصبحت قاعدة غير قابلة للنقاش ولكننا نسينا الجزء المكمل لها: “والكبير يحترم الصغير”

فصارت العلاقة بين الطرفين علاقة اتجاهٍ واحد يُطلب فيها من الصغير الصمت والامتثال ويُمنح الكبير حرّية مطلقة مهما أخطأ أو تعدّى وهكذا تَحوّل الاحترام من قيمة أخلاقية إلى سلاحٍ للضغط ومن مبدأ تربوي إلى حقّ يُمنح لطرف ويُنتزع من الآخر


في العمل: احترام المنصب أم احترام الإنسان؟


لا يكاد يخلو مكان عمل من نموذج المدير الذي يعتقد أن رفع الصوت جزء من الإدارة وأن الإهانة وسيلة للتحفيز وأن خبرته تمنحه تصريحًا أخلاقيًا للانتقاص من الآخرين

الموظف الشاب الذي يحاول إثبات ذاته يسمع دائمًا العبارة الشهيرة:

“استحمل هو أكبر منك!”

ولكن المنصب ليس حصانة أخلاقية والخبرة ليست مبررًا لقلة الذوق من المفترض أن يكون الكبير أكثر حكمة لا أكثر قسوة وأن يكون أقدر على الاحتواء لا الإهانة

احترام المدير واجب لكن احترام الموظف واجب أيضًا

وإذا تحوّل العمل إلى مساحة إذلال فالسكوت ليس أدبًا بل تنازل عن إنسانية الإنسان.

مثال آخر: موظفة شابة تُفاجأ بتعليقات غير لائقة من مديرها وحين تشكو يُقال لها: “ما تكبريهاش هو بيهزر!”

السؤال هنا: هل يجب على الموظف احترام من لا يحترم حدوده؟ وهل المزاح يُفرض بالقوة؟

الاحترام الحقيقي يبدأ من الالتزام بالحدود قبل الكلمات


في البيت: بيت يُبنى بالسكوت أم بالعدل؟


في العلاقات الزوجية كثيرًا ما تُدفع المرأة لتحمّل عنفًا نفسيًا أو جسديًا تحت شعار:

“اصبري علشان البيت ما يتخربش!”

لكن بيتًا يقوم على الخوف وبيتًا تعيش فيه الزوجة كضحية ليس بيتًا بل سجنًا بصمتٍ رسمي

وكأن بقاء الشكل أهم من بقاء الإنسان!

البيت الذي يُبنى على الإهانة لا يُخرب عند الرحيل بل كان مهدومًا منذ البداية

مثال: زوج يهين زوجته أمام الأولاد فيكبر الأطفال فاقدين لاحترام المرأة ومقتنعين أن “الكبير معذور”

هذا ليس حفاظًا على الأسرة بل تدميرًا لجيل كامل


في العائلة: هل السن وحده قيمة؟


هناك من يعتقد أن العمر يعطيه صلاحية الغضب والصوت العالي والانتقاد اللاذع

نرى حماة تعيش دور “السلطة المطلقة” أو كبير عائلة يرى في نفسه قاضيًا على الجميع دون أن يقبل رأيًا أو نصحًا

لكن الحقيقة بسيطة: العمر يضيف سنوات أما الاحترام فتضيفه الأخلاق

من يسيء تُوضع له الحدود ومَن يتجاوز يُرد عليه بتجاوز 

لا أحد أكبر من الأخلاق

مثال: امرأة خمسينية تُهين زوجة ابنها لأنها أصغر سنًا وتطلب احترامًا لا تعطيه

السؤال: هل الاحترام يُفرض بالعمر؟ أم يُكسب بالسلوك؟

الكبير الذي لا يحترم نفسه لا يُلزم الآخرين باحترامه


حدود الاحترام ليست قلة أدب


الفرق بين أخذ الحق والتجاوز رفيع لكنه واضح

المطلوب ليس التمرد على الأكبر ولا إسقاط قيمة الخبرة ولا فقدان الأدب

المطلوب ببساطة: أن يكون الاحترام متبادلًا


لا يحق للكبير إهانة الصغير


المناصب لا تعطي أخلاقًا


الخبرة لا تعني القسوة


والزواج لا يمنح إذنًا بالإيذاء


والعمر لا يمنح حصانة للتعدّي


قال النبي ﷺ:

“ليس المؤمن بالطعّان، ولا اللعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء.” 

هذا الخطاب لم يحدد سنًا أو منصبًا الأخلاق ليست مرتبطة بالعمر بل مرتبطة بالضمير


الخلاصة: احترام النفس فوق الجميع


فلنربّي أبناءنا على جملة كاملة غير مبتورة:

“الصغير يحترم الكبير والكبير يحترم الصغير”

ولنعلّمهم أن:

الاحترام لا يُفرض بالقوة بل يُستحق بالخلق

وأن الدفاع عن الكرامة ليس قلة أدب بل قمة الأدب مع النفس.

تعليقات